سياق الجدل بشأن التعليل اللاهوتي لطبيعة المسيح وماهيته.
كذلك، فلا يعد أي نقاش أو تناول لتلك الهرطقات مكتملا دون إيراد بعض الإلماحات والإشارات الحديثة إلى تلك الأمور الخلافية، فقد يكون للقوة والنفوذ امتياز وحق تعيين ما يعد"هرطقة وما لا يعد كذلك، بيد أن الهرطقة لا تعني بالضرورة وعلى الدوام، أمرا مستجدا على مسرح الأحداث. إن الجهد الرائع الذي اضطلع به اللاهوتي الألماني، فالتر باور، في نهايات القرن التاسع عشر التحليل تطور العقيدة المسيحية في بداياتها، ليصل إلى استنتاج مفاده أن ما نذهب إلى اعتباره"هرطقة في وقتنا الحاضر لا يعدو، في حقيقة الأمر إلا أن يكون الإدراك المسيحي المبكر لطبيعة المسيح وماهيته. وقد جادل باور بأن الكنيسة ذاتها هي التي قدمت تأويلات جديدة لللاهوت في القرون الأخيرة، وأسست"أرثوذكسيات مستحدثة، وقامت في بعض الأحيان بتغييرات في المعتقد المسيحي الأصيل، بل وحتى في النصوص المقدسة ذاتها. وكانت تلك التأويلات قد نشأت استجابة المقتضيات المؤسساتية والسياسية المستجدة للكنيسة للإفصاح عن كون التفهم المبكر ضربا من التجديف والهرطقة. وقد طرحت هذه الأفكار ووجهات النظر، في الفترة الأخيرة، عن طريق الباحث الفذ بارت أرمان، رئيس قسم الدراسات الدينية بجامعة نورث كارولاينا"في تشابل هيل، وذلك في كتابه مسيحيات مفقودة"."
وبحق، فما زلنا نجد مرونة كبيرة في التأويلات الثيولوجية لبعض الأفرع الصغيرة من الملل الإبراهيمية. فعلى سبيل المثال، فإن عقيدة الوحي المستمر لكلمة الله هي ما يميز منحى كل من"الكويكرز"، وكنيسة"يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة (المارمون) ، و"الخمسينية والمسيحية الكاريزمية، بالإضافة إلى البهائية. فوفقا لهذه العقائد، فإن الوحي المرسل من لدن الله لم ينقطع أبدا، بل هو متاح اللاجيال المتعاقبة لتلقي كلمة الله على المستوى الفردي أو الجماعي. وتحظى تلك الأفكار برواج وقبول على مر الأيام، فالبهائية، ضمن عقائد أخرى، تعتنق ميدا"الوحي المتواتر"، بما فيه من تعاقب الأنبياء المرسلين من لدن الله على مر الزمن