على أقل تقدير، حين نشأ التنافس والتشاحن فيما بين البطريركات المسيحية الخمس الأولى: روما، والقسطنطينية، والإسكندرية، وأورشليم، وأنطاكية. فواحدة تلو الأخرى، خضعت الإسكندرية وأورشليم وأنطاكية للحكم الإسلامي في القرن السابع الميلادي - مع احتفاظها بمراكزها الدينية، ولكن مع فقدان نفوذها العلماني المحلي. وقد خلص الصراع إلى أن يكون ثنائيا ما بين روما والقسطنطينية. وبمرور الزمن، وبما أن التباينات فيما يخص الدين وما يرتبط به من طقوس وشعائر قد ازدادت اتساعا وفرقة فيما بينهما - فقد ظلت روما مصرة على تفوقهاء فيما استشعرت القسطنطينية أنها كفؤ لروما وند لها. وكان تأسيس روما للبابوية التحل محل البطريركية في روما جهدا إضافيا لفرض امتيازاتها على البطريركات الأدنى شأنا في المراكز المسيحية الكبرى في الشرق. وللآن، فإن قضية التفوق تلك ما زالت قائمة
إن الاختلاف في موازين القوى قد انعكس أيضا في تنامي التباينات الحضارية. فحين الحديث عن القسطنطينية، فنحن نتحدث، بالأساس، عن إقليم تغلب عليه سمات الحضارة اليونانية. وقد كانت القسطنطينية في القلب من العالم المتحدث باللسان اليوناني، فأدى هذا التباين الحضاري إلى المساعدة في إشعال فتيل الصراع والمواجهة بين المسيحية اليونانية والمسيحية اللاتينية - أي الشرق أوسطية والغربية. وحقيقة الأمر، فإن الجذور والأصول اليونانية للقسطنطينية تضرب بعيدا في أغوار التاريخ، فقد عرف ميناؤها في السابق من قبل اليونانيين باسم"بيزنطيون في القرن السادس قبل ميلاد المسيح ... وبعد ما يقرب من تسعة قرون، وتحديدا في عام 230 ميلادية، أعيد إنشاء المدينة بواسطة الإمبراطور الروماني قسطنطين، فأطلق عليها اسمه. وقد رأى قسطنطين المدينة عاصمة ثانية أكثر أمانا للإمبراطورية الرومانية المترامية الأطراف في وقت كانت روما تضطرب خلاله تحت وطأة موجات الحصار الهمجي المتعاقبة. ويذا، فقد انبثق جناحان مستقلان للإمبراطورية الرومانية، أحدهما إلى الشرق، والآخر إلى الغرب."