فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 377

وفي تلك الآونة، فإن مجرد وجود"إمبراطورية رومانية غربية ذات معنى قد أضحى أقرب إلى"الخرافة، وذلك على نحو متزايد، إذ واصلت الحروب والأباطرة التشاحنون، وكذا الهجمات الهمجية المستمرة - تمزيق روما. وبالسقوط النهائي للإمبراطور الروماني في روما نتيجة الغزوات الجرمانية في عام 476 م، تحطم الجناح الغربي للإمبراطورية الرومانية نهائيا. وبذا، فقد ورث الجناح الشرقي في القسطنطينية الإمبراطورية الرومانية بكامل هيئتها، بما لها من أراض شاسعة في البلقان والأناضول وشرق المتوسط وشمال إفريقيا.

لقد نجم عن بزوغ القسطنطينية كمقر جديد للحكم في الإمبراطورية الرومانية تبعات حضارية جسام. فعلى خلاف الهيمنة المطلقة اللسان اللاتيني السائد على امتداد الإمبراطورية الغربية، فإن اليونانية كانت اللسان المشترك واللغة السائدة في بلدان شرقي المتوسط قاطبة، وهو ما صبغ الإقليم بمدنه المختلفة بطابع حضاري يوناني. وكانت إحدى الأوراق الرابحة للقسطنطينية كون الإنجيل قد كتب باليونانية وليس اللاتينية، إذ لن تقوى اللاتينية على الصمود كلغة إدارية رسمية للإمبراطورية الشرقية إلا لقرون قلائل لاحقة. وفي القسطنطينية، كانت الطبقة المتعلمة، بلا شك، تبه فخرا لإلمامها باللغة والثقافة اللاتينية، وكذا الاضطلاعها المستمر بمقاليد الحضارة الرومانية ولوائها. بيد أن اللغات ذاتها كانت قد شرعت في تحديد ثقافاتها وحضاراتها واسعة المدى: ما تبقى من الإمبراطورية اللاتينية غرباء والإمبراطورية اليونانية ذات النفوذ شرقا. وفي القرون اللاحقة، اصطبغ مصطلحا

لاتيني ويوناني بمعان إضافية تحمل في طياتها معاني ازدرائية مشتركة: فإذا.

ما أطلقت لفظة"لاتيني في القسطنطينية، أو لفظة يوناني"في روما، فيقصد بها الازدراء والاحتقار للمنعوت بأيهما. وفضلا عن ذلك، فلن يمكن الإمبراطور بعد ذلك أن يجمع بين حكم روما والقسطنطينية في آن واحد، ولقد تضاعت روما حتى صار

حجمها لا يذكر مقارنة بحجم عاصمة الإمبراطورية الشرقية، القسطنطينية. كذلك، فقد ترك البابا هناك ليعيش عزلة كان فيها لا يعدو إلا أن يكون رمزا فحسب ... أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت