تلو الآخر، تتجذر الهوة التي تفصل ما بين الشرق والغرب، وتتعمق الشقة، ففي القسطنطينية، أدى الشعور والانتماء لما هو يوناني إلى خلق نوع من"الهوية القومية المرتكنة إلى اللغة والثقافة وتفاعلاتهما، خاصة على الصعيد الجماهيري"
الشعبي).
لقد تحولت المشاعر وتجمدت لتستحيل أهواء وأغراضا. فيمرور الزمن، ذهب الغرب، والمسيطر عليه من قبل الهمج، إلى اعتبار القسطنطينية لا تعدو إلا أن تكون موضعا أو بؤرة الموروثات شرقية فاسدة وعقيمة قدر لها أن تنهض للدفاع عن ذاتها ضد تعديات المسلمين الفاسقين"وتجاوزاتهم في الأراضي المقدسة. ولقد اعتمد هذا النهج الاستبعادي بالرغم من إنجازات القسطنطينية السياسية والعسكرية والثقافية المذهلة على مدار أكثر من ألف عام، حيث امتد ليشمل بلدان شمال إفريقيا، وشرقي المتوسط، ودول البلقان، والهلال الخصيب، بيد أن سلطان القسطنطينية ونفوذها لم يكن ليستمر للأبد. فبحلول عام 1403، سقط آخر ما تبقى من"الإمبراطورية اليونانية، وبلا رجعة، في قبضة المسلمين الأتراك. بيد أنه وخلافا للإمبراطورية الرومانية التي لم يستقر لها المقام طويلا، والتي تماسكت بالكاد إلى القرن الخامس الميلادي، فإن الإمبراطورية الرومانية الشرقية طال بها المقام لمدة ألف عام أخرى، لتقرع أبواب القرن الخامس عشر. وبالرغم من سقوط الإمبراطورية وانهيارها، إلا أن الكنيسة الشرقية كانت أبعد ما تكون عن الفناء أو الاندثار، حتى في تلك الآونة. وتعد الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، اليوم، ثاني أكبر تجمع للطائفة المسيحية بعد الكنيسة الكاثوليكية.
نشأة الكنائس القومية
في معرض سردنا لإنجازات الإمبراطورية البيزنطية، لن يكتمل المشهد إذا ما أغفلنا الحديث عن تأثيرها الحضاري الضخم في كل المناطق المحلية، والتي سيتم إنشاء كنائس أرثوذكسية بها، على نحو مستدام.