ولعل أهم تراث قد ميز الإمبراطورية الشرقية، وهو ما سنعرض له ضمن طيات هذا الكتاب، كان قيامها بإنشاء كنائس في كل من أوروبا الشرقية وإقليم الشرق الأوسط ... كنائس استمرت حتى يومنا هذا موصولة حضاريا وعاطفيا بجماعات إثنية ولغوية بذاتها. فما زالت عواقب تأسيس تلك الكنائس القومية تتملكنا حتى اليوم، كما في التاريخ الدموي الذي أعقب انهيار الاتحاد اليوغوسلافي خلال تسعينيات القرن العشرين، وما صاحبه من تحريض الصرب كارثوذكس شرقيين ضد الكروات كروم كاثوليك.
وبعيدة عن حروب الأسماء وصراع الثيولوجيا، فإن يونانيي الشرق قد أمضوا قرونا في صراعهم الرئيسي مع روما بشأن الهيمنة الإقليمية، وخاصة في إقليم البلقان وأجزاء من الشرق الأوسط. فبمقتضى أحد القرارات الحضارية الخطيرة في التاريخ، بعثت الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية بإرساليات تبشيرية صوب الجهات كلها لتنصير العالم الوثني، وإرساء كنائس محلية جديدة تعتمد لغة البلد المقامة به - البلغارية، الصربية، الروسية، المقدونية، القبطية، الألبانية، الأرمينية، الرومانية، ... ، وهكذا، على امتداد أراضي الإمبراطورية البيزنطية، بل فيما وراء ذلك من أراض. وقد كانت تلك الكنائس الشرقية القومية أو"الإثنية، بما تنطوي عليه من استخدام اللغات المحلية في الطقوس التعبدية - على النقيض تماما من الموروث"فوق القومي والشمولي"للكاثوليكية المرتكن أساسا إلى اللغة اللاتينية باعتمادها في كل ما يتعلق بالكتاب المقدس والشعائر الكنسية. كذلك، فسيكون لكل كنيسة من تلك الكنائس الأرثوذكسية القومية علاقة مستقبلية ما بالإسلام في ظل تعايش متقلب ومتوتر، وعلى الجانب الآخر، فإن الكنيسة الغربية لم تعايش أو تخبر علاقة قوية بالإسلام، عدا في إسبانيا."
لم يكن لدي الكنيسة الأرثوذكسية أية نية لتضمين العنصر الإثني کرکيزة من ركائزها، وإنما تم ذلك عفو الخاطر دونما أي تخطيط، ولقد تولد الرابط ما بين الدين والإثنية عندما أرسلت البعثات التبشيرية البيزنطية إلى الشعوب الوثنية