فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 377

الكاثوليكية. أما البابا، فقد أصر بالإضافة إلى ما سبق، على الاستئثار بنفوذ دنيوي فائق على نحو لم يكن يتمتع به البطريرك البيزنطي. إن تاريخ أوروبا خلال العصور الوسطى يحفل بأمثال تلك الصراعات الهائلة من صراعات القوة والنفوذ ما بين البابا والأمراء"الدنيوبين". وهذا يرشدنا إلى أنه في حقيقة الأمر، ثمة إرث ثقيل من التدخلات الدينية في سياسات الغرب الدنيوية من قبل الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بأكثر مما كان عليه الحال في الإسلام فيما ارتبط بالحكام المسلمين الدنيويين (وهو الوضع الذي ظل قائما إلى ان نشأت الدولة الثيوقراطية وولاية الفقيه في إيران الحديثة)

وفي الوقت الذي استمر فيه التنافس بين الشرق والغرب في أوروبا الشرقية فإن الصرب، والبلغار، والرومانيين، والروس، بالإضافة إلى النصف الجنوبي من الألبان كانوا قد تحولوا إلى اعتناق الأرثوذكسية، في حين استمالت روما كلا من البولنديين، والتشيك، والسلوفاك، والكروات، والسلوفيتيين، والهنغاريين نحو اعتناق الكاثوليكية. وقد أدى هذا الاختيار البسيط لما يعتنق من عقيدة إلى وضع قالب بعينه للتوجه الحضاري والسياسي المستقبلي الشامل لهذه البلدان، والذي ما زال قائما إلى اليوم. إذا، فهناك حد فاصل بين الأرثوذكسية والكاثوليكية ينحدر من الشمال عند بحر البلطيق ليخترق يوغوسلافيا القديمة صوب بحر إيجه.

وبذا، وبلا أدني نية للقيام بذلك، فقد قامت القسطنطينية بدمج كل من الدين والإثنية ضمن التقليد الأرثوذكسي ... وهو مزيج يتمتع بدرجة كبيرة من القوة والثقل. وبحق، فإن ثراء الكنائس الأرثوذكسية يكمن في تنوعها الحضاري والثقافي حتى وإن ظلت جزءا من جماعة أرثوذكسية قوية متسعة النطاق ومتحدة فيما بينها، فيما يخص كلا من القيم الروحانية والمعتقد المتبع والطقوس الممارسة. وعلى النقيض تماما، فقد قاوم الإسلام بضراوة إنشاء أية حركات أو تجمعات إسلامية ذات طابع إثني، كما رفض اعتماد أية لغات محلية كبديل عن العربية فيما اختص بالعبادة، بيد أن الإسلام لم يتبن مطلقا النموذج شديد المركزية الذي تبنته روما ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت