فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 377

بالفعل اقتصاد القسطنطينية. وفي مظاهر الفوضى والشغب التي انبثقت كردة فعل ضد انتهاكات الكاثوليك، نشبت مذبحة هائلة راح ضحيتها ثمانون ألفا من اللاتينيين الذين جرى قتلهم في المدينة ... الأمر الذي أدى إلى دق أسفين جديد من الكراهية والصراع الدموي والضغينة المتبادلة فيما بين روما والقسطنطينية.

واليوم، وبعد ستة قرون من غزو الأتراك العثمانيين للقسطنطينية، وسقوط المدينة في أيديهم، فإن العالم الأرثوذكسي ما زال يندب خسارته الدرة العقد وواسطته"، والتي ما زالت تحيا في الذاكرة الجمعية له، تلك الفاجعة التي لا يقيم لها الغرب الأوروبي ما يناسبها من ثقل وجسامة. وبالرغم من كون الأوروبيين يعتبرون سقوط المدينة في أيدي المسلمين خسارة كبيرة للمسيحية، إلا أنهم لا يسيغون كثيرا"حملات صليبية جديدة، كما لا يستشعرون حنينا يربطهم بالعاصمة اليونانية القديمة للإمبراطورية الشرقية. فمن وجهة نظر المسيحيين الغربيين، لا تعدو القسطنطينية وإرثها إلا أن تكون كيانا أرثوذكسيا أصابه العطب وطاله الفساد، فأضحي کسقط المتاع، أو كونها حدثا تاريخيا عابرا معيبا يتعين عدم الالتفات إليه إلا قليلا. بيد أن ذلك الإرث المشثوم لن يطويه النسيان مطلقا في الشرق لأثره الجسيم في روسيا على وجه التحديد كما سنرى في فصل لاحق.

فمن ذا الذي يملك في الغرب وعيا بالمسيحية الشرقية أو استشعارا بقيمتها؟

إلا أن المسيحية الأرثوذكسية لم تكن لتنوي أو تفنى بسقوط الإمبراطورية الشرقية في أيدي الأتراك، بل لقد ظل البطريرك ذاته محتفظا بوجوده في اسطنبول المسلمة (حتى إلى اليوم) ، حيث سمح له من قبل الأتراك بمواصلة ممارساته. وسلطاته الدينية، لا الدنيوية، في نطاق بعض المناطق من العالم الأرثوذكسي. فحتى بعد انهيار الإمبراطورية الشرقية، ما زال في حلوق البيزنطيين غصة تجاه روما إلى الحد الذي ذهبوا معه إلى أفضلية الهزيمة على أيدي الأتراك المسلمين، لا على أيدي المسيحيين اللاتينيين. كذلك، فلإدراكهم أن الكنيسة ستحبا وتدار تحت حكم المسلمين، كما بدا جليا في أراض مسيحية أخرى سقطت قديما في قبضة الهيمنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت