الصفحة 178 من 244

والجينز الأزرق وموسيقى الروك منتشرة في كل مكان، مرغمة الأشكال القديمة والأكثر خصوصية من الأكل والثياب والغناء على الاضمحلال. لكن هذا يتعلق بإيلاء الاهتمام العامة الناس أكثر من الاهتمام بالنخبة الصغيرة التي اعتادت على تحديد أعراف بلد ما. وكل ذلك يبدو أميركية، لأن أميركا - البلد الذي ابتكر الرأسمالية الشعبية والاستهلاك. وصلت إلى تلك المناطق أولا. وتأثير الرأسمالية الشعبية أصبح عالمية اليوم. منذ قرون والفرنسيون ينتقدون ضياع ثقافتهم، لكن ما حدث، في الواقع، هو اضمحلال نظام تراتبي قديم. هل كان معظم الشعب الفرنسي (معظمهم كانوا مزارعين فقراء يتناولون طعامهم في مطاعم موثوقة - أو في أي مكان خارج منازلهم - في القرن التاسع عشر؟ ويقال اليوم بأن الأوبرا الصينية تحتضر، ولكن، هل هذا بسبب التغريب أم بسبب صعود ثقافة شعبية صينية؟ كم عدد الفلاحين الصينيين الذين كانوا يستمعون إلى الأوبرا في قراهم منذ عقود؟ لقد أصبحت الثقافة الشعبية هي الثقافة الأهم لأن الكمية - في العصر الديمقراطي - تتفوق على النوعية. إن عدد الذين يستمعون أهم ممن يستمع؟

انظر إلى التغييرات التي طرأت على واحد من أكثر الأماكن تقليدية في العالم. في العام 2004، انتقل کريستيان کاريل - مراسل خارجي في مجلة نيوزويك - إلى طوكيو، بعد أن أمضى العقد السابق في موسكو وبرلين. كان يتوقع أن يجد البلد الغريب والمعزول الذي قرأ عنه، فإذا به يجد شيئا مختلفة تماما:"ما وجدته هو بلد غربي عصري ومزدهر أخر مع بعض العادات المثيرة للانتباه؛ أمة أسيوية لن تشعر بأنها غريبة إن أسقطت فجأة داخل حدود أوروبا" (18) . ويتابع متذكرة تجربته هناك:"انتقلنا إلى منزلنا الجديد وسرعان ما وجدنا أنفسنا نستعد لمناسبة يابانية غريبة: هالووين". ويقتبس عن الأكاديمي الأميركي دونالد ريتشي، الذي يعيش ويعلم في اليابان منذ خمسين عاما، قوله إن الطلاب اليابانيين الشبان لا يفهمون عالم آبائهم، برسمته وأخلاقه وقواعد سلوكه. يقول ريتشي:"إنهم لا يعرفون أي شيء عن النظام العائلي لأن النظام العائلي لم يعد موجودة. ولهذا يتوجب علي أن أعيد بناءه لهم". إن التهذيب الياباني التقليدي المعقد الذي نجده في الأفلام يبدو غريبة بالنسبة إليهم، وكأنه أتي من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت