لا يظهر هذا الكتاب انحطاط أميركا بقدر ما يظهر عن نهوض جميع الأمم الأخرى. إنه يلقي الضوء على التحول الكبير الذي يجري في العالم اليوم: تحول، بالرغم من أنه يحظى بنقاش واسع، إلا أنه لم يفهم بعد بشكل جيد. وهذا طبيعي في الواقع، فالتغيرات - حتى تلك التي تحدث للبحار - تجري بصورة تدريجية. فالعالم يبدو لنا مألوفا، بالرغم من أننا نتحدث هنا عن حقبة جديدة. لكنه، في حقيقة الأمر، عالم مختلف إلى حد بعيد.
وقعت ثلاثة تحولات رئيسية في القوة خلال القرون الخمسة الماضية، تغيرات جوهرية في توزيع القوة أدت إلى إعادة صياغة الحياة الدولية في نواحيها السياسية والاقتصادية والثقافية. تمثل التحول الأول ببروز العالم الغربي؛ بدأت هذه العملية في القرن الخامس عشر، وتسارعت إلى حد كبير في أواخر القرن الثامن عشر؛ ونتج عنه ما نسميه بالحداثة: العلم والتكنولوجيا، التجارة والرأسمالية، والثورتان الزراعية والصناعية. ونتج عن هذا التحول أيضا الهيمنة السياسية الطويلة لأمم الغرب.
أما التحول الثاني، الذي حدث في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، فقد تمثل ببروز الولايات المتحدة الأميركية. فبعد فترة قصيرة من تحولها الصناعي، أصبحت الولايات المتحدة الدولة الأعظم قوة في العالم منذ الإمبراطورية الرومانية، والدولة الوحيدة الأقوى من أي تحالف محتمل بين الدول الأخرى. لقد هيمنت الولايات المتحدة خلال معظم فترات القرن الماضي على التجارة والسياسة والعلم والثقافة في العالم، وأصبحت هذه الهيمنة خلال السنوات العشرين الماضية من دون أي منافس؛ ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ الحديث.
نحن نعيش اليوم التحول الكبير الثالث للقوة في العصر الحديث، ويمكننا تسمية هذا التحول بنهوض البقية. فخلال العقود القليلة الماضية، شهدت دول عديدة في مختلف أنحاء العالم ارتفاعا في معدلات النمو الاقتصادي كان في ما مضى أمرا أشبه بالمستحيل. مع أن هذه الدول شهدت مراحل من الازدهار والانحدار، إلا أن