والفكري. لكن الأمور بدأت تتغير منذ العام 1979.
صحيح أن استفاقة الصين تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي والسياسي العالمي، لكنها تتأثر بالعالم الذي تنهض فيه أيضا. وهي تواجه نفس القوتين اللتين تميزان عالم ما بعد أميركا - أي العولة والقومية. من جهة، إن الضغوط الاقتصادية والتكنولوجية تدفع الصين باتجاه اندماج تعاوني في العالم. لكن نفس القوتين (العولمة والقومية) تسببان حالة من الفوضى والاضطراب الاجتماعي في البلد، ما يدفع النظام للبحث عن طرائق جديدة لتوحيد مجتمعه الذي يزداد تنوعا. وفي الوقت عينه، إن النمو يعني أيضا أن الصين ستصبح أكثر نفوذا، لأنها ستلقي بظل أكبر على المنطقة والعالم. وعليه فإن الاستقرار والسلم في عالم ما بعد أميركا سيعتمدان، بدرجة كبيرة، على التوازن الذي تقيمه الصين بين هاتين القوتين، التوحد والتفكك.
عندما ينظر المؤرخون إلى عقود القرن العشرين، على الأرجح أنهم سيشيرون إلى عام 1979 باعتباره نقطة انعطاف. ففي ذلك العام، غزا الاتحاد السوفييتي أفغانستان، وحفر بذلك قبره كقوة عظمى. وفي ذلك العام أيضا، أطلقت الصين إصلاحاتها الاقتصادية. وقد ظهرت الإشارة بالنسبة إلى الحدث الأخير في كانون الثاني من العام 1978 في اجتماع غير مناسب: المؤتمر الثالث للجنة المركزية الحادية عشرة في الحزب الشيوعي الصيني، وهي في العادة مناسبة لتقديم خطب فارغة وإيديولوجيا أكل عليها الزمان وشرب. ففي جلسة عمل سبقت الاجتماع الرسمي، أدلى الرئيس الجديد للحزب، دينغ زياويينغ، بحديث تبين أنه الأشد أهمية في تاريخ الصين الحديث. حث دينغ النظام على التركيز على التطوير الاقتصادي والاعتماد على الوقائع - وليس الإيديولوجيا - من أجل إرشاده إلى الدرب الصحيح. قال دينغ في تلك الجلسة:"ليس مهما إن كانت قطة سوداء أم بيضاء طالما أنها قادرة على الإمساك بالفئران، فإنها قطة جيدة". ومنذ ذلك الحين، لم تحد الصين عن هذه التوصية. إنها تتبع طريق التحديث ببراغماتية لا رحمة فيها.
كانت النتائج مذهلة. نمت الصين بمعدل يزيد عن 9 بالمئة في السنة لمدة ثلاثين عاما تقريبا، أسرع معدل بالنسبة إلى بلد كبير في التاريخ المدون. وفي نفس هذه