مدني. مع ذلك، فالاقتصاد العالمي يحرز تقدما ثابتا، ليس من دون انقطاعات وأزمات هامة، لكن مساره العام يتجه صعودا وبقوة. ومع أن الأسواق تصاب بالهلع، إلا أن ذلك يحدث انعكاسة للأخبار الاقتصادية وليست السياسية. بكلمات أخرى، تبدو الصفحة الأولى من الصحيفة وكأنها منفصلة تماما عن القسم الاقتصادي
أذكر حديثي مع عضو رفيع المستوى في الحكومة الإسرائيلية بعد أيام قليلة من الحرب مع حزب الله في تموز عام 2006. كان قلقة بشدة حيال أمن بلده، فصواريخ
حزب الله وصلت إلى أبعد مما كان يتوقعه الناس في إسرائيل، والرد العسكري الإسرائيلي لم يوح بالثقة مطلقا. بعد ذلك، سألته عن الاقتصاد - مجال اختصاصه - فقال:"ذلك يحيرنا جميعا. كانت سوق المال في اليوم الأخير من الحرب أعلى مما كانت عليه في اليوم الأول والأمر نفسه ينطبق على الشيكل (العملة الإسرائيلية) ". كانت الحكومة مذعورة، أما السوق فلم تكن كذلك.
أو لننظر إلى الحرب العراقية، التي تسببت بفوضى عميقة وطويلة الأمد في البلد، وبنزوح أكثر من مليوني لاجئ إلى الدول المجاورة. هذا النوع من الأزمات السياسية يبدو بأنه يؤثر حتما في محيطه، مثل الكأس التي تطوف فتبلل ما حولها. لكنك لو طفت في الشرق الأوسط في السنوات الماضية، لصعقت بضالة تأثير مشاكل العراق في الاستقرار في المنطقة. بالطبع، في أي مكان تذهب إليه ستجد الناس يعلنون سخطهم من السياسية الخارجية لأميركا. ولكن، أين الدلائل الفعلية لعدم الاستقرار في المنطقة؟ في الواقع، معظم دول الشرق الأوسط - مصر، والسعودية، والأردن، على سبيل المثال - تشهد انتعاشا حقيقية. وتركيا التي تملك حدودة مشتركة مع العراق، تحقق نموا سنوية يزيد عن 7 بالمئة منذ بدء الحرب. وأبو ظبي ودبي، اللتان تبعدان ساعة واحدة عن بغداد بالطائرة، لا تزالان مستمرتين في بناء ناطحات سحاب تخطف الأبصار، وكأنهما موجودتان في كوكب آخر. أما بالنسبة إلى الدولتين اللتين ورطتا نفسيهما في العراق - سوريا وإيران - فإنهما تعملان إلى حد كبير خارج نطاق الاقتصاد العالمي، وبذلك فإنهما لا تملكان الكثير لتخسرانه بافتعال المشاكل.
إذا، ما الذي يفسر هذا التناقض بين الهبوط الحلزوني للسياسة العالمية والارتفاع