عصر الأنوار كان عصرا مفعما بالأمل. فقد اعتبر الواقع مجالا بكرا ينتظر من يكتشفه، والمعرفة أداة تمنح البشر القدرة على السيطرة عليه. وبدا المدي أمام العقل غير محدود. ولم نكتشف أن للعقل حدودا مقيدة إلا بعد تقدم المعرفة. الانعكاس اكتشاف متأخر نسبيا - إذا أمكن اعتباره كذلك - ولم يقل القبول عموما.
الديمقراطية الأمريكية قائمة على فصل السلطات، لا على الاعتراف باستحالة وصولنا إلى الحقيقة النهائية المطلقة. بل على العكس، قديباجة إعلان الاستقلال تذكر: «نحن نعد هذه الحقائق بديهية» . وتتابع لوصف المتطلبات الضرورية للمجتمع المفتوح بالتفصيل، لكن التبرير لم يتعلق بالفهم القاصر. وهنالك تضاد بين الديباجة وبقية النص أفرز مذهبين فكريين: الديباجة تتعلق بالحقوق الطبيعية، والنص بالحقوق الإنسانية العالمية. ومن الجدير بالذكر أن مبدأ الحقوق الطبيعية خضع للشرح والتفسير من قبل اليوشتراوس، بينما تناول كارل بوبر مفهوم المجتمع المفتوح. شتراوس وبوبر مفكران من النمسا وألمانيا عاشا في عصر واحد؛ وكلاهما من المتخصصين في فكر أفلاطون، لكنهما لم يلتقيا أبدا. ولم أجد أي إشارة إلى ليوشتراوس في كتابات بوبر. كان بوبر معلمي ومرشدي، بينما كان ليو شتراوس معلم ومرشد بول ولفوويتز، أحد مهندسي غزو العراق
على الرغم من أن عامة الناس في أمريكا ليسوا مهتمين بالمناقشات الفلسفية المجردة، إلا أن حقيقة غموض فكرة المجتمع المفتوح أفرزت عواقب وخيمة وتبعات سلبية. فالمجتمع المفتوح قائم على الإقرار بأن فهمنا قاصر وأن الواقع لا يخضع لإرادتنا ورغباتنا. الحقيقة يمكن التلاعب بها والتأثير فيها، لكن مدى اقتراب النتيجة من إرادتنا ورغبتنا يعتمد على