ثالثا، ومرة أخرى خلافا للاتحاد السوفيتي، تود الصين أن تبدو مثل «واحد من الأولاد، وألا تكون جد مرئية وهي تقذف بثقلها وقوتها في كل مكان، ولكنها تتوقع في الوقت نفسه معاملتها باعتبارها قوة كبرى، وهو ما أصبحت عليه، وبمعنى ما، فإن الصين تقوم بدور القوة الكبرى غير الأمريكية، وتفرض مطالب قليلة على الآخرين، ونادرا ما تمنتهم، وتعلي دائما العمل متعدد الأطراف. فقد حسنت علاقاتها مع جيرانها، وخففت المنازعات على الأراضي، ونهضت بمنطقة للتجارة الحرة، وتسعى إلى إقامة جوار سلمي بنية التركيز على التحديات المحلية الكبيرة. ولم ترسل قوات مقالة للخارج منذ الغزو غير الناجح لفيتنام و 1979, كما لم تهدد باستخدام القوة، إلا عندما يثير قادة تايوان أحيانا موضوع إعلان الاستقلال عن الصين.
بالطبع إن حل اللغز الإستراتيجي للصين أسهل كثيرا من حل لغز أمريكا، إذ بشعر قادة بكين بالقلق على أمر واحد الاحتفاظ بالقوة والسلطة في الداخل، أساسا من خلال اقتصاد قوي وتحقيق ذلك الهدف من خلال التوسع في التجارة وضمان الحصول على النفط وغيره من الموارد، كما يعتمدون على القمع السياسي وجاذبية الدعوة القومية. وقد قدمت الدورة الأولميبية
2008 مثالا دراميا للأمرين.
وعلى خلاف القادة الصينيين، يشعر الرؤساء الأمريكيون بالقلق من كل شيء. وعلى النقيض من ذلك، فإن الصين لا تستخدم قوتها لحل المشاكل العالمية؛ بل تستغل بدلا من ذلك مشاكل الآخرين، خاصة مشاكل واشنطن، مثلما حدث عندما استغلت إصرار آمريکا على ادعاءاتها وعملها من طرف واحد، وتقوم بدور الدولة الكبرى الوسيط بين الدول الضحية، والولايات المتحدة
ونظرا لأن القوة الاقتصادية الصينية هائلة بقدر أكبر من قوتها العسكرية أو الدبلوماسية فإنها تدع القوة الاقتصادية تقوم بمعظم عملها الدبلوماسي. وعلى خلاف واشنطن، تستخدم الصين قوتها الاقتصادية أساسا لأغراض اقتصادية وليس لاستخلاص تنازلات سياسية من الآخرين
وعلى غرار الصين، فإن روسيا الحالية واضحة بشأن إستراتيجيتها ومصدر قوتها. فقد سعى الرئيس فلاديمير بوتين وخليفته ديمتري ميدفيديف لإعادة ترسيخ النزعة الاستبدادية