و عالم ما بعد الاستعمار هذا، بدأت الولايات المتحدة وكل الأمور تقف في صفها. فقد كان لديها بصفة عامة سجل طيب ولا معارضة الاستعمار، وكانت مستعدة لمساعدة الدول الجديدة على الحفاظ على استقلالها من خلال الأمم المتحدة، وبرامج المعونة الاقتصادية، والمؤسسات المالية مثل البنك الدولي، وكانت الولايات المتحدة، وكانت هي نفسها مستعمرة سابقة، تمثل بالنسبة لمعظم الدول المستقلة حديثا، الحرية والفرص، لكن منافسة الحرب الباردة ومخاوف الأمريكيين من الشيوعية سرعان ما طفت على هذه الدوافع الأولى، وهكذا بدأ عذاب واشنطن في العالم الثالث.
فقد رأت واشنطن أن يد السوفيت وراء كل فنية تقريبا في العالم الثالث، ولذا أطاحت بحكومات منتخبة بطريقة حرة قيل إنها موالية للشيوعية في أماكن مثل جواتيمالا وإيران، وغرست بغير قصد بذور الاضطرابات في المستقبل. كما ساندت واشنطن دكتاتوريات كثيرة بدت هي البديل الوحيد للشيوعية، وبصفة عامة، كانت السياسة الأمريكية هي ملء الفراغ الذي ينشا عن رحيل القوى الاستعمارية ومحاربة التوسع المحتمل للقوة السوفيتية هناك ولكن إلى جانب هذه القصص المحزنة على الدوام، حققت الولايات المتحدة نجاحات حقيقية لا مساعدة كوريا الجنوبية وتايوان على التطور إلى ديمقراطيتين مزدهرتين
وبالطبع، حدثت النكبة الأكثر مأساوية بالنسبة للولايات المتحدة، ونفس المكان الذي أجبرت فيه فرنسا على الركوع على ركبتيها- فيتنام. هناك كان أول تذوق مميت تعانيه أمريكا لحدود قوتها، وفازت فيتنام الشمالية. وأعلن نيکسون أن الولايات المتحدة ستصبح عملاقا مثيرا للشفقة لا حول له ولا قوة .. وحتى الآن يحاج كثيرون حول ما إذا كانت واشنطن تستطيع أن تكسب الحرب باستخدام قوة أكبر والاستمرار في طريقها. ولكن حتى لو سادت الولايات المتحدة لا ميدان المعركة لمدة أطول من الزمن، يبدو أنه من المؤكد أن الأمريكيين كانوا سيتعبون من الاستمرار لاخوض هذه الحرب التلفزيونية، (أول حرب أمريكية تعرض على شاشات التلفزيون و رفت العشاء كل ليلة) ، وأن هانوي ستلعق جراحها، وتستأنف القتال، وتفوز في النهاية. لقد استهلت الحرب الجدل حول حدود قوة الولايات المتحدة الذي لا تزال أصداؤه تتردد، لكن تظل الحقيقة هي: أن قسما ضئيلا متخلفا من أمة تسمي فيتنام الشمالية منعت أقوى قوة عسكرية في التاريخ من أن تفعل ما تريد.