ومن السهل الخلط بين القوة في العلاقات الشخصية أو داخل الأمم وبين القوة فيما بين الأمم. فمع الناس وداخل البلدان، يمكن ممارسة القوة عادة عن طريق قوة الشخصية، والقيادة والقيم، والإقناع وما إلى ذلك، وهناك بصفة عامة قيم ومصالح مشتركة في هذه المسارح على نحو أكبر كثيرا منه في الشئون الدولية، ومن ثم فإن سياسة خذ وهات يمكن احتواؤها والتحكم فيها نسبيا ومن ثم تكون فعالة تماما. وفيما بين الدول حيث لا يوجد سوى إطار مشترل ضئيل تتخذ القوة بالضرورة شكلها الأكثر حدة ويكون تطبيقها صعبا ومعقدا. إن قول الا أكثر سهولة. رة الشئون الدولية، نادرا ما يجدي الإقناع والقيادة، والقسر يمكن ملاقاته بقسر مضاد، خاصة
في الفترة الحالية. ففي العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين، تستدعي القوة مزيدا من الضغط والإكراه عما يقتضيه استخدامها في السياسات المحلية والعلاقات الشخصية.
وقبل أن يتطور العالم إلى الحالة الحالية بزمن طويل وحتى قبل ظهور فجر معاهد البحوث متعددة التخصصات، أدرك القدماء الطبيعة المتميزة للشئون الدولية. فقد دامت الإمبراطوريثان الصينية والرومانية زمنا أطول كثيرا من الإمبراطوريات التي تبعتهما، وكان ذلك راجا كلتا الحالتين إلى إدراك قادتهما الكامل لثراء القوة والحشد الواسع من الأدوات والتقنيات المتاحة لممارستها. كانوا خبراء بصفة خاصة في استخدام تفوقهم في الموارد وتحقيق النجاحات لإلقاء الرعب فلوب خصومهم واستمالتهم. وسمح لهم هذا بدوره بتجنب التطبيق المستمر للأشكال الأكثر تكلفة من القوة، مثل القوة العسكرية. لقد راكمت الصين وروما موارد وقوة هائلة، ولم تضيعا أبدا الفرصة لتذكير الجميع بتفوقهما. ومع ذلك، فقد أحجمت كلتاهما قدر استطامنهما عن سحق رعاياها البلاد التي فتحتاها عسكريا، وجعل هذا الإحجام هاتين الإمبراطوريتين تحكمان بسهولة وتكلفة قليلة نسبيا، وكررت المملكة المتحدة هذه الإستراتيجية بحذافيرها، أكثر مما فعلت أي من الإمبراطوريات اللاحقة.
لم يفكر أحد القوة باجتهاد وبصيرة وإتقان بأكثر مما فعل الصينيون والرومان القدماء. فقد نظروا للقوة من زوايا كثيرة، باعتبارها القدرة على إلحاق الأذى أو منع المنافع، وباعتبارها قوة دفع لإنجازات تتم مستقبلا، وباعتبارها عظمة للمشروعية والسلطة، وباعتبارها سمعة وباعتبارها تفوقا ثقافيا، وباعتبارها قوة عمياء، وحددوا درجات استخدام القوة بما يناسب كل