مما يؤخذ على الاستشراق أنه قد عجز (عن تمثل النبوة الإسلامية بشكل جيد، يعود في جانب منه إلى عدم امتلاكهم للإحساس بالعناصر الروحية، وقدرتها على إنجاز المشاريع الكبرى بوساطة استغلال قوى المادة ذاتها) ، كما يقول لخضر الشايب [1] .
هذا العجز عن التمثل مبني على عدم التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وبالتالي التشكيك في صحة الحديث النبوي [2] ، يقول عماد الدين خليل في بحث له عن المستشرقين والسيرة: (إن المستشرقين - بعامة - يريدون أن يدرسوا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفق حالتين، تجعلان من المستحيل تحقيق فهم صحيح لنسيج السيرة ونتائجها وأهدافها التي تحركت صوبها، والغاية الأساسية التي تمحورت حولها؛ فالمستشرق بين أن يكون علمانيًّا ماديًّا لا يؤمن بالغيب، وبين أن يكون يهوديًّا أو نصرانيًّا لا يؤمن بصدق الرسالة التي أعقبت النصرانية) [3] ،
على أن هناك طائفة من المستشرقين بحثوا في السيرة والسنة، وخرجوا من دراساتهم بالإعجاب بسيرته وسنته - عليه الصلاة والسلام - ولم يخفوا إعجابهم هذا؛ ذلك أنهم توخوا الإنصاف في دراساتهم، وربما انتهى بهم المقام العلمي إلى أن يكونوا مناصرين للكتاب والسنة، بغض النظر عن ترجمة هذه المناصرة إلى إيمان بالرسالة وبالرسول صلى الله عليه وسلم.
لئن قيل: إن هذا كلام في الماضي، فإن الماضي ينعكس الآن في الحملة على الإسلام والمسلمين، وعلى رموز الإسلام وقياداته في الماضي والحاضر، وعلى رأسهم نبي الهدى محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، ولعل هذه الثورة التقنية، وثورة الاتصالات، تهيئ قدرة على إيصال المعلومة الصادقة عن الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم، بحيث يخف الجهل تدريجيًّا، وإن لم يخف الإجحاف في حق الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم، ممن نصبوا أنفسهم دعاة للفكر
(1) انظر: لخضر الشايب، نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في الفكر الاستشراقي المعاصر، الرياض: مكتبة العبيكان، 1422 هـ/ 2002 م، ص 584.
(2) انظر: تشكيك المستشرقين في صحة الحديث النبوي، ص 243 - 293، في: محمد لقمان السلفي، مكانة السنة في التشريع الإسلامي ودحض مزاعم المنكرين والملحدين، ط 2، الرياض: دار الداعي، 1420 هـ/ 1999 م، 372 ص.
(3) عماد الدين خليل (المستشرقون والسيرة النبوية: بحث مقارن في منهج المستشرق البريطاني المعاصر مونتغمري وات) ، 1: 113 - 201، في: مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية، 2 مج الرياض: مكتب التربية العربي لدول الخليج، 1405 هـ / 1985 م.