الصفحة 5 من 22

وفي إنزال القرآن الكريم باللغة العربية مَرْتَبَةٌ رفيعة لها، ووجه الدلالة: أنه تعالى أخبر أنه أنزله عربيًا في سياق التمدُّح، والثناء على الكتاب بأنه مبين لم يتضمن لَبْسًا، عزيزٌ لا يأتيه الباطل مِنْ بين يديه ولا مِنْ خلفه، وذلك يدلُّ دلالة ظاهرة على شرف اللغة التي أُنْزل بها.

وهي لغة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، لغة السنة المطهرة المصدر الثاني من مصادر التشريع، فما بعث الله نبيًا إلى قوم إلا خاطبهم بلغتهم قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) [1] .

فاللغة العربية هي أساس فهم القرآن والسنة، وأداة التعامل الأولى معهما، فلا يمكن فهمهما، واستنباط الأسرار منهما إلا بواسطتها.

وبهذه اللغة صاغ العرب الحِكَمَ والأمثال، ونظموا الأشعار وتحدثوا بأعذب العبارات، وأجمل الألفاظ، متأثرين بلغتهم العربية التي صنعت فيهم التمدن الفكري والذوقي.

يقول مصطفى صادق الرافعي: ولكنا إذا اعتبرنا لغتهم رأينا حقيقة التمدن فيها متمثلة، وشروطه في مجموعها متحققة، فهي منهم بحر الحياة الذي انصبت فيه جميع العناصر، وانبعث بها هذا التيار العقلي الذي يدفع بعضه بعضًا، وكأنها هي التي كانت تهذب نفوسهم وتزنها، وتعدلها وتخلصها برقة أوضاعها وسمو تراكيبها، حتى ينشأ ناشئهم في نفسه على ما يرى من أوضاع الكمال في لغته؛ لأنه يتلقنها اعتيادًا من أبوية وقومه، ولهيَ أقوم على تثقيفهم من المؤدب بأدبه، والمعلم بعلمه وكتبه؛ لأنها حركات نفسية على مدارها انجذاب الطبع فيهم [2] .

وفضلًا عن ذلك فللغة العربية قداسة عند المسلمين، فلا يصح أن يقرأَ المسلم القرآنَ إلا بالعربية، وقراءة الفاتحة ركنٌ من أركانِ الصلاة، التي هي ركن من أركانِ الإسلام، فلا يستطيع المسلم الصلاة إلا إذا تعلَّم شيئًا من العربية، ولذلك كان من الواجب على كل مسلم أن يتعلم من العربية ما تصح به صلاته.

(1) سورة إبراهيم الآية: 4.

(2) تاريخ آداب العرب مصطفى صادق الرافعي 1/ 170.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت