الصفحة 13 من 22

المبحث السادس: أثر الجهل باللغة العربية على فهم الحديث النبوي

لا شك أن اللغة العربية هي أحد الأدوات المهمة التي يستخدمها المحدث عند فهم الحديث النبوي، وعدم التمكن من قواعد هذه اللغة وعلومها قد يؤدي إلى الوقوع في الضلال والزيغ وهذه بعض الأمثلة المؤكدة لذلك:

1 -ادَّعَى البَعْضُ أنَّ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: (لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ) [1] هُوَ مَذْهَبُ الدَّهْرِيَّةِ، وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّ الْمَعْنَى: لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ إِذَا أَصَابَتْكُمُ الْمَصَائِبَ، وَلَا تَنْسُبُوهَا إِلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَصَابَكُمْ بِذَلِكَ لَا الدَّهْر، فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمُ الدَّهْرَ وَقَعَ السَّبُّ عَلَى الفاعل في الحقيقة لَا عَلَى الدَّهْرِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَ مِنْ عَادَتِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ تَنْسُبَ الْأَفْعَالَ إِلَى الدَّهْرِ فَتَقُولُ: أَصَابَهُ الدَّهْرُ فِي مَالِهِ، وَنَابَتْهُ قوارع الدهر ومصائبه. فينسبون كُلِّ شَيْءٍ تَجْرِي بِهِ أَقْدَارُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ إِلَى الدَّهْرِ، فَيَقُولُونَ: لَعَنَ اللَّهُ الدَّهْرَ، ومحق اللَّهُ الدَّهْرَ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَسُبُّونَهُ لِأَجْلِ الْفِعَالِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَبُّوا الْفَاعِلَ، و إنما الفاعل هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ، فَكَأَنَّهُمْ يَسُبُّونَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

2 -وروى الشيخان عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قُلْنَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: (أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا) قَالَتْ: فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا، قَالَتْ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ، لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَصَدَّقُ [2] .

قاله صلى الله عليه وسلم لنسائه فحسبنه على ظاهره من الطول الذي هو ضد القِصَر، فظنت سودة إحدى زوجاته أنها المرادة، لأنها كانت أقصرهن يدا، فلما ماتت زينب بنت جحش رضي الله عنها قبلها علمن حينئذ أن المراد بالطول هو الفضل والكرم، وكانت زينب أكثرهن صدقة، وهذا يوافق

(1) البخاري كتاب تفسير القرآن باب وما يهلكنا إلا الدهر 6/ 133 رقم: 4826، ومسلم كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها باب النهي عن سب الدهر 4/ 1763 رقم: 2246، واللفظ لمسلم.

(2) البخاري كتاب الزكاة باب فضل صدقة الصحيح الشحيح 2/ 110 رقم: 1420، ومسلم كتاب الفضائل بَابُ مِنْ فَضَائِلِ زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا 4/ 1907 رقم: 2452 واللفظ لمسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت