وقد كانت اللغة العربية عند الصحابة ملكةً وسليقة يتلقاها الأبناء عن الآباء بدون دراسةٍ أو معرفة قواعد، وظل الأمر على هذا الحال حتى دخل كثيرٌ من الأعاجم في الإسلام فبدأت العجمة تظهر على ألسنة العرب وبدأ الخطأ في كلامهم وإن بدأ قليلا ونادرًا.
وقد بدأ ذلك مبكرًا جدًا فقد روى ابن عساكر بإسناده عن ابن أبي مليكة قال: قدم أعرابي في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال من يقرئني مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم قال فأقرأه رجل سورة براءة فقال: أن الله برئ من المشركين ورسولِهِ بالجر فقال الأعرابي أوقد برئ الله من رسوله؟ إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه، فبلغ عمر مقالة لأعرابي فدعاه فقال: يا أعرابي أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: يا أمير المؤمنين إني قدمت المدينة ولا علم لي بالقرآن فسألت من يقرئني فأقرأني هذا سورة براءة فقال: أن الله برئ من المشركين ورسولِهِ بالجر فقلت أوقد برئ الله من رسوله؟ إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه.
فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي، قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: (أن الله برئ من المشركين ورسولُهُ) [1] فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ مما برئ الله ورسوله منه.
فأمر عمر بن الخطاب ألا يقرئ القرآن إلا عالم باللغة، وأمر الأسود فوضع النحو [2] .
وقد نبَّه ابنُ خلدون على ذلك بقوله:
فلمَّا جاء الإسلامُ، وفارقوا الحجاز ... وخالطوا العجمَ - تغيرت تلك الملكةُ بما ألقى إليها السَّمعُ من المخالفاتِ التي للمستعربين من العجم؛ والسمع أبو الملكات اللسانية؛ ففسدت بما أُلقي إليها مما يغايرها لجنوحِها إليه باعتبارِ السمع، وخشي أهلُ الحلوم منهم أن تفسدَ تلك الملكة رأسًا بطولِ
(1) سورة التوبة جزء من الآية رقم: 3.
(2) تاريخ دمشق لابن عساكر 25/ 191.