وقد أدرك علماء الشريعة قديمًا وحديثًا أهمية اللغة بالنسبة لفهم القرآن والسنة فهذا هو محمد بن عبد الله زوج ابنة الإمام الشافعي يقول: أقام الشافعي علمَ العربية وأيامَ الناس عشرين سنة، فقلنا له في هذا، فقال: ما أردتُ بهذا إلا استعانةً للفقه [1] .
أي أنه: ظلّ عشرين سنة يتبحّر في اللغة العربية وعلومها ليفقه ويفهمَ القرآن والسنة، ولا يُستغرب هذا منه، فقد قال حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ، يَقُولُ: أَصْحَابُ الْعَرَبِيَّةِ جِنُّ الإِنْسِ، يُبْصِرُونَ مَا لا يُبْصِرُ غَيْرُهُمْ [2] .
وبهذه اللغة فهم العرب القرآن وأدركوا سر إعجازه فأقبلوا عليه يقرؤونه ويفهمون معانيه ويطبقون أحكامه، وتذوقوا فصاحة النبي صلى الله عليه وسلم في عباراته فنزل القرآن والسنة منهما منزل الماء البارد على الجسد الظامئ.
وقد أدرك علماء الدين هذه القضية فهاهو إبراهيم الحربي يقول: من تكلّم في الفقه بغير لغةٍ تكلم بلسان قصير [3] .
قال الشاطبي: عَلَى النَّاظِرِ فِي الشَّرِيعَةِ وَالْمُتَكَلِّمِ فِيهَا أُصُولًا وَفُرُوعًا أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ عَرَبِيًّا، أَوْ كَالْعَرَبِيِّ فِي كَوْنِهِ عَارِفًا بِلِسَانِ الْعَرَبِ، بَالِغًا فِيهِ مَبَالِغَ الْعَرَبِ، أَوْ مَبَالِغَ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَالْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَالْكِسَائِيِّ وَالْفَرَّاءِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ وَدَانَاهُمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا كَحِفْظِهِمْ وَجَامِعًا كَجَمْعِهِمْ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ يَصِيرَ فَهْمُهُ عَرَبِيًّا فِي الْجُمْلَةِ، وَبِذَلِكَ امْتَازَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى الْمُتَأَخِّرِينَ، إِذْ بِهَذَا الْمَعْنَى أَخَذُوا أَنْفُسَهُمْ حَتَّى صَارُوا أَئِمَّةً، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَحَسْبُهُ فِي فَهْمِ مَعَانِي الْقُرْآنِ التَّقْلِيدُ، وَلَا يَحْسُنُ ظَنُّهُ بِفَهْمِهِ دُونَ أَنْ يَسْأَلَ فِيهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ [4] .
(1) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي 2/ 41 رقم: 662.
(2) آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم الرازي صـ 112.
(3) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي 2/ 41 رقم: 663.
(4) الاعتصام للشاطبي 3/ 257.