كلام العرب فهم يقولون: «فلان أطول يدًا» في حالة الكرم [1] ، ولولا فهم هذا لأشكل هذا الحديث، فبمقدار قدرة المحدث على فهم اللغة يستطيع فهم القواعد الشرعية والنصوص النبوية واستنباط الأحكام منها.
3 -ومثل ذلك قوله تعالى في الحديث القدسي المعروف: (وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) [2] .
فقد شغب المعتزلة على أهل الحديث بروايتهم مثل هذا النص, وعزوهم ذلك إلى الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -, وهو يوهم في تصورهم تشبيهه تعالى بخلقه في القرب المادي والمشي والهرولة , وهذا لا يليق بكمال الألوهية.
وقد رد على هؤلاء الإمام ابن قتيبة في كتابه: تأويل مختلف الحديث بقوله: إِنَّ هَذَا تَمْثِيلٌ وَتَشْبِيهٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ: مَنْ أَتَانِي مُسْرِعًا بِالطَّاعَةِ، أَتَيْتُهُ بِالثَّوَابِ أَسْرَعَ مِنْ إِتْيَانِهِ، فَكَنَّى عَنْ ذَلِكَ بِالْمَشْيِ وَبِالْهَرْوَلَةِ.
كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ مُوضِعٌ فِي الضَّلَالِ - وَالْإِيضَاعُ: سَيْرٌ سَرِيعٌ - لَا يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ يَسِيرُ ذَلِكَ السَّيْرَ، وَإِنَّمَا يُرَادُ أَنَّهُ يُسْرِعُ إِلَى الضَّلَالِ، فَكَنَّى بِالْوَضْعِ عَنِ الْإِسْرَاعِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} [3] ، وَالسَّعْيُ: الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ، وَلَيْسَ يُرَادُ أَنَّهُمْ مَشَوْا دَائِمًا، وَإِنَّمَا يُرَادُ: أَنَّهُمْ أَسْرَعُوا بِنِيَّاتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ [4] .
4 -ومن ذلك ما رواه الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا!، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي
(1) المحصول للرازي، 1/ 275.
(2) البخاري كتاب التوحيد بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} 9/ 121 رقم: 7405، ومسلم كتاب التوبة بَابٌ فِي الْحَضِّ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْفَرَحِ بِهَا 4/ 2102 رقم: 2675.
(3) سورة الحج الآية: 51.
(4) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة صـ 327.