فنحلف له الأيمان أنّنا نحبّها، ونحفظ كلّ ما حكاه لنا عنها، ونذكّره ببعضه، فتفيض الدموع من عينيه الذابلتين، دموع صمت، جدّي حينما يبكي لا نسمع صوت بكائه، نعرف بكاءه من دموعه فقط. ومع صمت دموعه نسكت جميعًا، ويبكي بعضنا، ونلتمّ حوله، ونمسح بمنديله الدموع الدافئة التي تسير ببطء على خدّيه. ثمّ يترحّم على جدّتي، ونردّد معه الدعاء بالرحمة لها .. وإذا كان الدمع كثيرًا نعلم أنّ ذاك اليوم لن تكون لنا فيه حكايات من ذلك النوع الذي نعرفه، بل سيكون يومًا لحكاياته عن جدّتي .. آه يا جدّتي! كم تمنّيتُ رؤيتكِ لكثرة ما يصفك جدّي بالجمال والطهر والبراءة، بالكرم والمسارعة إلى معاونة نساء الحارة في أمورهم .. جدّي لا يرى مانعًا من أن يحكي لنا عن صبرها عليه .. ويتحوّل وجهه من الحزن إلى الفرح، ونشعر أنّه يحكي لنا عنها وكأنّها في الغرفة الأخرى، أو كأنّها ستطلّ علينا بعد قليل حاملة فنجان القهوة له، وقطع حلوى لنا.
أمّا حكايتها مع كرسي جدّي، فهي عجيبة غريبة. كانت جدّتي تخيط ثوبًا لهذا الكرسي مرّة كلّ سنة، وثوب الكرسي مؤلّف من قطعتين، الأولى لمسند الظهر، وهي تشبه كيسًا تُضَمّ فيه قائمتا الكرسي من أعلى، والثانية هي الأرضيّة. وتختار لون القماش أخضرَ غامقًا، وتزيّنه ببضع قطيفات، فيبدو الكرسي - كما يصفه جدّي - ذا هيبة ووقار.
لم يستطع جدّي أن يُبقي على الثوب الأخير من أثواب الكرسي، وهو ما يفتأ يذكّر عمّاتي بصنع واحدٍ جديد، ولكن لا يجد منهنّ من تستمع له. مرّة - منذ عيدين أو ثلاثة أعياد سابقة - قالت له أمّي:
- «أنا سأخيط لك ما تطلب» .
فرح جدّي، ودعا لها بالخير. ولكنّ أمّي لم تفعل، هي تقول تارة أنّها لم ترَ من نوع القماش، وتارة أخرى أنّها لا تعرف بدقّة ما هو المطلوب، ومرّة ثالثة أنّها مشغولة بتربيتنا. ولكنّني متأكّد أنّها لو أرادت أن تخيطه لأنجزته في يومين أو ثلاثة، ولكنّ صمت جدّي وعدم إلحاحه عليها يزيدها رغبة في التأخّر.