حاول جدّي أن يبقى على هذه العادة، ولكنّ أبي وأعمامي لم يعينوه على ذلك، ففي أوّل أيّام العيد لا يصل أعمامي وعمّاتي بأولادهم إلى البيت الكبير، بيت جدّي، إلاّ بعد العصر، وجدّي لا يحبّ أن يبدأ عملًا طيّبًا في وقت متأخّر، يحبّ الوقت المبكر. وكأنّي سمعت من عمّي أنّ جدّي لم يعد معه مال يكفي لتوزيع عيديّات على كلّ أحفاده وأسباطه، وهو لا يطلب من أولاده المال، إذ لم يعتدْ جدّي على الأخذ، هو معتاد دائمًا على العطاء، لقد ترك العمل في مهنته منذ سنين بعيدة، ولكنّه حتّى الآن ليس بحاجة إلى عطاءات من أولاده. يقول دائمًا إنّ الله يعامله بالبركة ... وما زال عنده الكثير من فضل الله. أمّا أعمامي فلم تعد تعجبهم عادة (العيديّات) ، لقد لملموا كلّ عيديات جدي وهم صغار، ولكنّهم لا يريدون أن يعطونا الآنَ شيئًا منها.
ما يزال جدّي محتفظًا بالعباءة التي كانت تعتني له بها جدّتي - رحمها الله - ولكنّه لا يلبسها كثيرًا، كي لا تبلى، ونعرف أنّه في أجمل أيّامه وأسعد أوقاته عندما يلبسها، ويضع أيضًا الشال الصوفي، الذي نسجته جدّتي أيضًا من وبر الجمل. نحن لا نعرف جدّتي، فقد ماتت - رحمها الله - منذ خمس عشرة سنة أو أكثر - كما يقول أبي - ومع ذلك أرى جدّي يهتمّ بأشيائها، ولا يفرّط بشيء منها. مرّة طلبت عمّتي أن تستعير (المكحلة) النحاسيّة الصفراء لتكتحل، فأعطاها إيّاها جدّي بعد إلحاح، ولكنّها بعد أسبوع أعادتها له وقد أضاعتْ غطاءها، فحلف جدّي من يومها ألّا يعير غرضًا من أغراض جدّتي، ولم يقبل من عمّتي مكحلة جديدة، هو يقول لعمّاتي: كلّ أغراض أمّكم لكم، ولكن استعملوها أمام عيني فقط. لَمْ أَرَ الدموع في عيني جدّي إلاّ في حالين، عندما يذكر جدّتي، وعندما يذكر الحروب. ولذلك لم نعد نذكرها له، وقد كشف عادتنا، فصار يلومنا كثيرًا، قائلًا:
- «ما بالكم يا أولاد؟ ألا تحبّون جدّتكم؟ أم إنّكم نسيتموها؟ صحيح أنّ كثيرين منكم لم يروها، ولكن ظننتُ أنّكم تحبّونها لأنّني حدّثتكم عنها كثيرًا، ولأنّني أحبّها» .