يجلسني جدّي في حجره، ولكنّني - فيما بعد - عندما كبرتُ لم أعد أكتفي بذلك، بل أتحيّن الفرص لأجلس عليه، أحاول أن أعيد قصّ بعض الحكايات ..
مرّة كان جدّي نائمًا في قيلولته المعتادة، أخذتُ نفسي، وتسلّلت إلى الغرفة التي فيها الكرسي، صعدتُ عليه، وبدأتُ أحكي كما يحكي جدّي، حكيت ثلاث حكايات، ثلاث حكايات ولم أملّ، لم أخترها من الطوال، بل القصار، الكرسيّ كان واسعًا، واسعًا جدًّا، لم أستطع أن أسند ظهري وأمدّد رجليّ في نفس الوقت، ولكنّني استطعت أن أجد حيلة، عندما وضعتُ وسادة عريضة خلف ظهري، أمّا المسندان، فلم أستطع أن أسند يديّ في وقت واحد عليهما معًا، كنتُ أسند اليمنى مرّة، ثمّ اليسرى .. أختي الكبيرة كانت تختفي وراء النافذة وتراقبني، ثمّ راحت - دون أن أنتبه - تستدعي جدّي وأبي وإحدى عمّاتي، شعرتُ بخجل كبير عندما فتحوا الباب عليّ بهدوء، ودخلوا جميعًا، ثمّ زال خجلي عندما أوقفني جدّي فوق الكرسيّ وعانقني، عانقني عناقًا طويلًا، وعندما انتهى قال لي:
- «يا بنيّ، من يحفظ حكاياتي مثلك، ويفهمها، فسيكون في المستقبل رجلًا فهيماَ بمعنى الكلمة» .
فرحتُ كثيرًا، ولكنّني لم أستطع أن ألبّي طلب جدّي في أن أحكي حكاية وهو أمامي.
صارت كلمة المستقبل تهمّني كثيرًا، صرتُ أسأل أمّي عنها، وأسأل أبي، لم أسأل أبي كثيرًا لأنّه كان مشغولًا، ولا يحبّ أسئلة أولاده كثيرًا، يريدنا في حضوره أن نسكت، ويريدنا أن نهدأ، يقول:
كان جدّي - فيما يروي عمّي الأصغر - يتزيّن صباح كلّ عيد بأجمل الثياب، ويضع العمامة على رأسه، ويطلب من جدّتي أن توقظ أولادهما، ثمّ يتربّع على هذا الكرسي، ويجلس أولاده حوله، مكوّنين نصف دائرة، فيتلو دعاءً قصيرًا، ثمّ يبدأ بنصح أولاده بضرورة المحبّة والتسامح والكرم ... بعدها يوزّع عليهم (العيديّة) مبتدئًا بالأصغر فالأكبر ...