أحيانًا أتسلّل إلى الغرفة التي يجتمع فيها عمّاتي وأعمامي، أسمع من بعيد، قبل أن أصل، أصواتهم العالية، المتداخلة مع بعضها، أعمامي الأربعة وأبي، وعمّاتي الثلاث، كلّ اثنين منهم يجمعهما حديث، وكل واحد منهم يريد أن يتحدّث أكثر، أدخل الغرفة، أجلس قرب أبي، يمتدّ وجودي مدّة طويلة ثمّ أنسحب من جانبه، دون أن ينتبه إليّ، أعود إلى حكاية جدّي، التي أكون قد استظهرْتُها لكثرة ما سمعتها، ومع ذلك أفرح كثيرًا عندما أسمعها من جديد بصوت جدّي.
مرّة حاول أبي أن يستفيد من حبّنا لجدّي، فوضع آلة تسجيل قرب الكرسيّ، ثمّ بعد أسبوع، ونحن في بيتنا طلب منّا أنا وإخوتي أن نهدأ ونتحلّق حوله ليسمعنا حكاية بصوت جدّي، كان الصوت واضحًا، والآلة ممتازة، ومع ذلك لم نمكث سوى لحظات، لا الكرسيّ هنا، ولا وجه جدّي البشوش بيننا، ولا سكاكر جدّي بين أيدينا، فقد اعتاد جدّي أن يوزّعها علينا مع بداية كلّ جلسة حكايات، نمسك القطعة منها، نقبض عليها، تتعرّق أيدينا، ولا يفكّر أحد منّا بوضعها في فمه، إلّا الصغار، وأظنّ أنّ جدّي كان يقصدهم بها، أمّا أنا، فمنذ أن صار عمري خمس سنوات لم تعد تغريني هذه القطعة، فكيف وأنا اليوم ابن سبع؟ في النهاية قام أخي الكبير، فأقفل آلة التسجيل بهدوء، وكأنّه قد لَمَس المللَ لدينا جميعًا، وأدرك أبي أنّه لم يستطع إدهاشنا.
ومع كلّ ذلك لم يفكّر أبي بكرسي جدّي، ولم يقل لنا مرّة إنّه بعد موت جدّي سيأخذ الكرسي له، أو سيتركه لأحد أعمامي .. مع أنّ أبي يفكر ماذا سيفعل بعد موت جدّي!
وكم من مرّة سمعتُ فيها إحدى عمّاتي تريد أن تبيع هذا الكرسيّ - بعد العمر الطويل - لأوّل مناد في الطرقات، كنتُ أضجر منها، وأعبّر لأبي عن غضبي منها، ولكنّه لم يكن يعيرني أي انتباه، وكأنّ هذا الكرسيّ لا يعنيه، وكأنّه ليس كرسي والده ..
أحيانًا أشعر برغبة كبيرة في الجلوس على ذلك الكرسي، كنتُ من قبل أقبل أن