الصفحة 14 من 35

على الأرض -متربعًا - عند القراءة ... وإن أردتُ أن أغيرّ من جلستي فلا بدّ من أن أثني ركبتيّ أو إحديهما، ونصحني أن لا أُكثِرَ من الحركات عندما أقرأ، كي يبقى ذهني مفتوحًا ...

شعرتُ أنّي في عالم جديد وأنا أشمّ رائحة عطر جدّي أينما تلفّتُّ ... أحسستُ أنّ دنيا جديدة تفتحُ لي أبوابها ... قلتُ في البداية إنّها مدرسة، ولكنّي وجدتُها أكبر ...

أمسكتُ بالكتاب، وضعتُهُ على الأرض، وصوّبتُ نظري من فوقه ... مدّ جدّي يديه، وأخذه منّي برفق، وقال لي: لِمَ لا تُجلِسُ الكتاب مجلسَهُ؟

ثمّ أتى بكرسيّ القراءة، وبسطه، بعد أن كان مطويًّا، ووضعه أمامي ...

عندما أقرأ أمام معلّمي في المدرسة ينتابني شعور بالخوف، لا أعرف من أيّ شيء أخاف ... أمّا الآن أمام جدّي فأشعر بأنّني بطل، جدّي يحبّ الأبطال الذين لا يتردّدون ... وأنا لن أتردّد ...

كان جدّي، في البداية، مسرورًا من قراءتي، وعندما وجد أغلاطي تكثر مدّ يده إلى الكتاب وأغلقه، وقال لي: يكفي ما قرأناه اليوم ...

ثمّ بسط جسده على الحصير، فلا بُدّ من قيلولة في يوم حارّ.

مرّ شهران من الصيف وأنا أقرأ في كلّ يوم بضع صفحات من كتاب جدّي، أغلاطي تقلّ، صوتي يتحسّن، فهمي يتّسع ... وحبّي للقراءة يزداد بشكل كبير ...

كان أبي يراني مع جدّي وأنا أقرأ، فينظر إلينا بصمت، والبسمة مرسومة على شفتيه. مرّة أو مرّتين جلس معنا، بصمت واحترام، وحاول أن يتدخّل لتصحيح غلط بدر منّي، ثمّ لم يفعل لأنّ جدّي وضع سبّابته على فمه مشيرًا إليه بالسكوت.

أبي، في صغره، قرأ كثيرًا من الكتاب أمام جدّي، وكلّ أعمامي قرؤوا منه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت