الصفحة 15 من 35

وعمّاتي أيضًا ... وهم دائمًا يتحدّثون عن صبر جدّي عليهم وسروره بهم.

لا أعرف لماذا يتصرّف والدي معنا - نحن أولاده - ومع أمّي وكأنّه لم يقرأْ منه شيئًا ... لا أدري أين صارت أفكار الكتاب ... على الأغلب غادرت رأسَهُ، وحلّ مكانها حسابات وأرقام وهموم ... وسلّة كبيرة من المعاتبات والملاحظات على الناس جميعًا، ومن بينهم إخوته وأحب الناس إليه ...

لم أستطع أن أخبّئ عن جدّي فكرتي:

-يا جدّي، لماذا نسي أبي وأعمامي أفكار الكتاب وحِكَمه؟

-سؤالك كبير يا ولدي ... كبير ... والدكَ لم ينسَ شيئًا، ولا أعمامك، فهذا الكتاب لا يُنسى ... ولكن بعض الناس يظنّ أنّ ما في الحياة شيء، وما في الكتب شيء آخر .... وكل من يعاملهم أبوك بالمال والمتاع يظنّون ذلك ... الناس - يا ولدي - يظنّون أنّهم يستطيعون أن يستعجلوا الخيرَ بأيديهم.

ثمّ صَمَتَ جدّي .... طال صمته، ثمّ قال: اترك لنفسكَ سؤالًا للمستقبل تكتشفه بنفسك ... هل تريد من جدّك أن يجيبك على كلّ الأسئلة؟ كثير عليّ ذلك ...

أبناء أعمامي وعمّاتي أصابتهم الغيرة منّي، جدّي لا يعطيني دراهم، ولا سكاكر ... جدّي يَسْمعني، ومع ذلك فأنا محسود!

دعوتهم للقراءة والاستماع، بعضهم وافق، وبعضهم ينتظر موافقة والديه ...

صرنا أربعة أولاد نقرأ، وأنا أقدمهم في القراءة، ولستُ أكبرهم ... علّمنا جدّي كيف يكون السكوت جميلًا، وكيف يكون الاستماع جميلًا، وكيف تكون القراءة متعة رائعة ...

رأى أبي اهتمامي بالكتاب، ازداد حبّه لي، صار يُجْلِسني قربه، بل يلصقني به وهو يضع يده اليمنى على كتفي كي يجذبني إليه أكثر، ويسألني عن الكتاب ... وعن جدّي ... ولكن، مع أوّل نداء من أمّي، أو مع أيّ طارق للباب ... يبتعد عنّي، وعندما يعود إليّ ينسى ما كان يسألني عنه ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت