وكان لا بد، والوضع كما بيَّنه المخطط، أن تكون إجراءات الزواج تحقِّق تلك الغايةَ، وقد راعى الإسلام ذلك بالفعل، فجعل لإتمام الزواج مراحلَ ومراسمَ؛ فهناك الخِطبة، ثم عقد الزواج، فالبناء (الزفاف) ، وكل هذه مراحل من باب تكريم هذا العقد، وإعطائه قوةً ونفوذًا في المجتمع، فإذا جئنا لتفاصيل تلك المراحل، نجد أنه قبل الخِطبة لم يَعرِف الإسلام إجبارَ أحد طرفي الزواج عليه، بل لا بد من تحقُّق القَبول والموافقة التامة، المبنيَّة على المعرفة الكاملة، والرضا التام؛ لذا شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيةَ الرجل مَن يريد خطبتها؛ فعن المغيرة بن شعبة قال: خطبتُ امرأةً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنظرتَ إليها؟ ) )، قلت: لا، قال: (( فانظر إليها؛ فإنه أجدر أن يؤدم بينكما ) ) [1] .
وكذلك جعل الرسول صلى الله عليه وسلم من حق الفتاة أن تَقبَل أو ترفض، ولا سلطةَ لأحد، مهما كان، في أن يفرض عليها مَن لا ترغبُه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (( لا تُنكَح البِكْرُ حتى تُستَأذَن، ولا الثيبُ حتَّى
(1) - الترمذي، محمد بن عيسى أبو عيسى السلمي:"الجامع الصحيح"، تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرين، دار إحياء التراث العربي - بيروت، كتاب النكاح، باب النظر إلى المخطوبة (1087) وقال: حديث حسن، والنسائي (3235) واللفظ له، وابن ماجه (1866) ، وأحمد (18179) ، الدارمي، عبدالله بن عبدالرحمن أبو محمد:"سنن الدارمي"، تحقيق فواز أحمد زمرلي، وخالد السبع العلمي، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى، 1407 هـ (2172) ، الحاكم، محمد بن عبدالله أبو عبدالله النيسابوري:"المستدرك على الصحيحين"، تحقيق مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1411 هـ - 1990 م (2697) ، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الألباني: صحيح (859) ؛"صحيح الجامع".