وَأَفَادَ تَعْرِيفُ الْمُسْنَدِ وَالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ قَصْرَ جِنْسِ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ عَلَى المَذْكُورِينَ تَفْصِيلًا وإجمالا، لأنّ المهديين مِنَ الْبَشَرِ لَا يَعْدُونَ أَنْ يَكُونُوا أُولَئِكَ الْمُسَمَّيْنَ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ، فَإِنَّ مِنْ آبَائِهِمْ آدَمَ وَهُوَ الْأَبُ الْجَامِعُ لِلْبَشَرِ كُلِّهِمْ، فَأُرِيدَ بِالْهُدَى هُدَى الْبَشَرِ، أَيِ الصَّرْفُ عَنِ الضَّلَالَةِ، فَالْقَصْرُ حَقِيقِيٌّ. وَلَا نَظَرَ لِصَلَاحِ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُ صَلَاحٌ جِبِلِّيٌّ، وَعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ الظَّاهِرِ لِقَرْنِ هَذَا الْخَبَرِ بِالْمَهَابَةِ وَالْجَلَالَةِ.
وَقَوْلُهُ: {فَبِهُداهُمُ} اقْتَدِهْ تَفْرِيعٌ عَلَى كَمَالِ ذَلِكَ الْهُدَى، وَتَخَلُّصٌ إِلَى ذِكْرِ حظّ محمدّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ هُدَى اللهِ بَعْدَ أَنْ قدّم قبله مسهب ذِكْرُ الْأَنْبِيَاءِ وَهَدْيِهِمْ إِشَارَةً إِلَى عُلُوِّ مَنْزِلَةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وأنّها منزلَة جَدِيرَة بِالتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَأَنَّهُ جَمَعَ هُدَى الْأَوَّلِينَ، وَأُكْمِلَتْ لَهُ الْفَضَائِلُ، وَجَمَعَ لَهُ مَا تَفَرَّقَ مِنَ الْخَصَائِصِ وَالْمَزَايَا الْعَظِيمَةِ. وَفِي إِفْرَادِهِ بِالذِّكْرِ وَتَرْكِ عَدِّهِ مَعَ الْأَوَّلِينَ رَمْزٌ بَدِيعٌ إِلَى فَذَاذَتِهِ وَتَفَرُّدِ مِقْدَارِهِ، وَرَعْيٌ بَدِيعٌ لِحَالِ مَجِيءِ رِسَالَتِهِ بَعْدَ مُرُورِ تِلْكَ الْعُصُورِ الْمُتَبَاعِدَةِ أَوِ الْمُتَجَاوِرَةِ، وَلِذَلِكَ قَدَّمَ الْمَجْرُور وَهُوَ: {فَبِهُداهُمُ} ، عَلَى عَامِلِهِ، لِلِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ الْهُدَى لِأَنَّهُ هُوَ مَنْزِلَتُكَ الْجَامِعَةُ لِلْفَضَائِلِ وَالْمَزَايَا، فَلَا يَلِيقُ بِهِ الِاقْتِدَاءُ بِهُدًى هُوَ دُونَ هُدَاهُمْ، وَلِأَجْلِ هَذَا لَمْ يسْبق للنّبيء - صلى الله عليه وسلم - اقْتِدَاءٌ بِأَحَدٍ مِمَّنْ تَحَنَّفُوا فِي الجاهليّة أَو تنصّروا أَوْ تَهَوَّدُوا ... وَلَمْ يَقْتَدِ بِأَحَدٍ مِنْ أُولَئِكَ وَبَقِيَ عَلَى الْفِطْرَةِ إِلَى أَنْ جَاءَتْهُ الرِّسَالَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ: {فَبِهُداهُمُ} اقْتَدِهْ تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بأنّ محمّدا - صلى الله عليه وسلم - مَا جَاءَ إِلَّا عَلَى سُنَّةِ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ وَأَنَّهُ مَا كَانَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ.
وَأمر النبيَّء - صلى الله عليه وسلم - بِالِاقْتِدَاءِ بِهُدَاهُمْ يُؤْذِنُ بِأَنَّ اللهَ زَوَى إِلَيْهِ كلّ فَضِيلَةً مِنْ فَضَائِلِهِمُ الَّتِي اخْتَصَّ كُلَّ وَاحِدٍ بِهَا سَوَاءٌ مَا اتَّفَقَ مِنْهُ وَاتَّحَدَ، أَوِ اخْتَلَفَ وَافْتَرَقَ، فَإِنَّمَا يُقْتَدَى بِمَا أَطْلَعَهُ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ فَضَائِلِ الرُّسُلِ وَسِيَرِهِمْ، وَهُوَ الْخُلُقُ الْمَوْصُوفُ بِالْعَظِيمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [الْقَلَم: 4] ، وَيَشْمَلُ هُدَاهُمْ مَا كَانَ مِنْهُ رَاجِعًا إِلَى أُصُولِ الشَّرَائِعِ، وَمَا كَانَ مِنْهُ رَاجِعًا إِلَى زَكَاءِ النَّفْسِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ. وَافْتَتَحَ الْكَلَامَ بِفِعْلِ {قُلْ} لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَهَمِّيَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ. وَقَدَّمَ ذَلِكَ بقوله: لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا أَيْ لَسْتُ طَالِبَ نَفْعٍ لِنَفْسِي عَلَى إِبْلَاغِ الْقُرْآنِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِدْقِهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُرِيدُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا لَصَانَعَهُمْ وَوَافَقَهُمْ [1] .
(1) التحرير والتنوير (7/ 354) ، وما بعدها مختصرا.