الصفحة 14 من 34

أقول: من أجل ذلك لم يؤثر عن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أن رفع الآذان ولو مرة مع حثه على ذلك وإخباره الأمة بالثواب الجزيل عليه [1] ، لأنه لو فعل ذلك .. لوجب على كل من سمعه إجابة ندائه وسيلحقهم حرج في ذلك، لا فرق بين صغير وكبير ذكر وأنثى معذور وغيره، ولا سيما ان صوته الشريف يسمع من مكان بعيد، فيلحقهم حرج ومشقة والنبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أرحم بأمته من ذلك، والله أعلم بالصواب. ولعل في هذا السبب أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر العباس بنداء من فرّ من ساحة القتال في غزوة حنين، و لم يفعل ذلك هو - صلى الله عليه وسلم - وان فعله .. كان أقوى في نفوسهم وأكثر وقعا، ومع ذلك لم يفعله؛ لأنه لو فعل ذلك لوجب إطاعة أمره - صلى الله عليه وسلم - وهو أرحم بهم من أنفسهم - صلى الله عليه وسلم -. وهذا ما فهمته أمنا أم سلمة في صلح الحديبية عندما طلبت منه صلوات ربي وسلامه عليه أن يذبح هديه ويحلق شعره الشريف بعد ما امتنع أصحابه عن فعل ذلك؛ لأنها علمت ما سيلحقهم بتأخير الفعل، ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك ففعلوا مثل ما فعل - صلى الله عليه وسلم - [2] .

المسألة الثالثة: الاتّباع:

قال ابن فارس:

(تبع) : التاء والباء والعين: أصل واحد لا يشذ عنه من الباب شيءٌ، وهو التُّلُوُّ والقَفْو، يقال: تبِعْتُ فلانًا إذا تَلَوْتَه واتّبعْتَه. وأتْبَعْتُهُ إذا لحِقْتَه [3] .

(1) قلت: ولم يصح خبر ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اذن لو مرة وما ذكر من الاخبار فلا تصح، يُنْظَر: البحث بالتفصيل في فتح الباري لابن حجر: (2/ 397) .

(2) عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: ( ... فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِأَصْحَابِهِ:"قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا"، قَالَ: فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ .. دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنْ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللهَ؛ أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ، فَيَحْلِقَكَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ؛ نَحَرَ بُدْنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ .. قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا ... ) البخاري: (2: 974) ، رقم: (2581) .

(3) معجم مقاييس اللغة لابن فارس: (1/ 362) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت