إِن الله تَعَالَى أوجب على النَّاس التأسي بِهِ قولا وفعلا مُطلقًا بِلَا إستثناء فَقَالَ {لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة} [1] .
وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: {فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ، فالأصل أن يقال: رسولُ الله إسوة، فقيل: {فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} فجعل متعلقُ الائتساء ذاتَ الرسول دون وصف خاص ليشمل الائتساء به في أقواله بامتثال أوامره واجتناب ما ينهَى عنه، والائتساءَ بأفعاله.
من هنا نعلم لماذا قدمت الأسوة الحسنة، وأخر اسم نبي الله ابراهيم عليه وعلى نبينا افضل الصلاة واتم التسليم في قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4] ، فَتبرؤهم من المشركين مقصود بالاقتداء به دون الأتساء بذواتهم؛ فقال تعالى: {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الممتحنة: 6] ، والله أعلم بالصواب.
وأختم البحث بقولي: ان كلمتي: (قدوة) و (أُسوة) وان كانتا متساويتان في عدد الحروف والمبنى ولكن بينهما عموم وخصوص فالأسوة أعلى من القدوة ونحن أمرنا ان نتأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدوة عظيمة فكانت الاسوة والله أعلم بالصواب.
وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ على سيّدنا مُحمّد وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.
(1) الخصائص الكبرى (2/ 342) .