ومَن خطَر بباله أنَّ المسحَ باليد ونَحوه أبلغُ في البركة، فهو من جَهله وغَفْلته؛ لأنَّ البَركةَ إنَّما هي فيما وافق الشرع وأقوال العلماء، وكيف يبتغي الفضلَ في مُخالفة الصواب؟!
وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال:
(( لا تجعلوا قبري عيدًا ) )، وقال: (( اللهم لا تجعل قبري وثَنًا يُعبد ) ).
وقال ابن تيمية - رحمه الله تعالى:
مِن أعظم ما منَّ الله به على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى أُمَّتِه - أنِ استجاب منه دعاءه؛ حيث دفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته بجانب مَسجده، فلا يقدر أحدٌ أن يصِلَ إلا إلى المسجد، والعبادة المشروعة في المسجد معروفة، بخلاف ما لو كان قبره منفردًا عن المسجد [1] .
هذا، والتبرُّك بقبره - صلى الله عليه وسلم - والدعاء عنده لم يَفعله أحدٌ من الصحابة، ولا من التابعين، ولا أحدٌ من أئمة الهدى.
وقال ابن وضاح وهو من أئمة القرن الثالث الهجري في كتاب"البدع والنهي عنها" (ص 41) :
"عن مروان بن سويد قال: خرجتُ مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من مكةَ إلى المدينة، فلَمَّا أصبحنا صلى بنا الغَداةَ، ثم رأى الناسَ يَذهبون مذهبًا، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ قيل: يا أمير المؤمنين، مسجدٌ صلَّى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هم يَأتون يصلُّون فيه، فقال: إنَّما هلَك مَن كان قبلَكم بمثل هذا، يتَّبِعون آثارَ أنبيائهم، فيتخذونها كنائسَ وبِيَعًا، مَن أدركتْه الصلاةُ في هذه المساجد فليصلِّ، ومن لا فليمضِ ولا يتعمدْها".
قال ابن عبدالهادي في"الصارم المنكي"، (ص 66) :
ومعلوم أنَّ مجرد زيارةِ قبره كالزيارة المعروفة للقبور غيرُ ممكن، ولو كان في زيارة قبره عبادةٌ زائدة للأُمَّة، لفُتِح باب الحجرة، ومُكِّنوا من فعل تلك العبادة عند قبره، وهم لم يُمكَّنوا إلا من الدُّخول إلى مسجده، والذي يُشرع في سائر المساجد، لكن مسجدَه أفضلُ من سائرها غير المسجد الحرام.
(1) "الرد على الإخنائي"، ص 102 - 103.