الصفحة 13 من 33

"فمَن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستحبَّ الشريعةُ ذلك، فهو من المنكرات وبعضه أشدُّ من بعض، سواء كانت البقعةُ شجرةً، أم عينَ ماء، أم قناةً جارية، أم جبلًا، أم مغارة، وسواء قصدها ليصليَ عندها، أم ليدعوَ عندها، أم ليقرأ عندها، أم ليذكر الله - سبحانه - عندها، أم ليتنسك عندها؛ بحيث يخص تلك البقعةَ بنوعٍ من العبادة، التي لم يُشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينًا ولا نوعًا، وأقبح مِن ذلك أن يَنذِرَ لتلك البقعة دُهنًا؛ لتنور به، ويقال: إنها تَقبل النَّذر، كما يقول بعض الضالين، فإنَّ هذا النذر معصيةٌ باتفاق العلماء، ولا يجوز الوفاء به".

ويقول ابن عثيمين في"القول المفيد"، ج 1 ص 194:

"مِن التبرُّك الباطل: التبرُّك بالأماكن المباركة على غير ما ورد في الشرع، كتقبيل أبواب المساجد، والتمسُّح بأعتابها، والاستشفاء بتُربَتِها، ومثل ذلك التمسُّحُ بجدار الكعبة، أو مقام إبراهيم، وغير ذلك، ومن ذلك أيضًا الذهاب إلى القبور، لا لقصد الزيارة، وإنَّما لقصد الدعاء عندها؛ لأجل بركتها، واعتقاد أنَّ الدعاء عندها أفضل".

قال شيخ الإسلام في"الفتاوى"، (ج 17 ص 460) :

"وإنَّما المقصود أنَّ أصلَ الشرك في العالم كان من عِبادَة البشر الصالحين، وعبادة تَماثيلهم، وهم المقصودون؛ لذلك سَدَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذا الباب، ففي"صحيح مسلم"أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال قبل أن يَموت بخمس: (( إنَّ من كان قبلكم كانوا يتَّخذون القبورَ مساجد، ألاَ فلا تتَّخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك ) )، وفي الصحيحين أنه - صلى الله عليه وسلم - ذُكر له كنيسة بأرض الحبشة، وذكر من حسنها وتصاوير فيها، فقال: (( إن أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح، بَنَوْا على قَبْره مسجدًا، وصَوَّرُوا عليه تلك الصُّور، أولئك شرارُ الخلق عند الله يومَ القيامة ) )".

وفي الصحيحين أنَّه قال في مرض موته: (( لَعَنَ الله اليهودَ والنصارى، اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد ) )؛ يُحذِّر ما فعلوا؛ قالت عائشة - رضي الله عنها:"ولولا ذلك لأُبْرِزَ قبرُه".

ولَمَّا كان اتِّخاذ القبور مساجدَ، وبناء المساجد عليها - محرمًا، ولم يكن شيءٌ من ذلك على عهد الصَّحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يُعرف قطُّ مسجد على قبر، وكان الخليل - عليه السَّلام - في المغارة التي دُفِنَ فيها وهي مَسدودة لا أحدٌ يدخل إليها، ولا تَشدُّ الصحابةُ الرحالَ لا إليه ولا إلى غيره من المقابر، فكان الصَّحابة يأتي مَن يأتي منهم إلى المسجد الأقصى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت