يصلون فيه، ثم يرجعون لا يأتون مغارةَ الخليل ولا غيرها، وكانت مغارةً مسدودة حتى استولى النصارى على الشام في أواخر المائة الرابعة، ففتحوا الباب، وجعلوا ذلك المكانَ كنيسةً، ثم لما فتح المسلمون البلاد اتَّخذه بعضُ الناس مسجدًا، وأهلُ العلم ينكرون ذلك، والذي يَرويه بعضُهم في حديث الإسراء أنَّه قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم: هذه طَيْبَة، انزل فصلِّ، فنَزل فصلَّى، هذا مكان أبيك، انزل فصلِّ - كَذِبٌ مَوضوع، لم يصلِّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - تلك الليلة إلا في المسجد الأقصى خاصة.
ويقول شيخ الإسلام أيضًا:
"ما كان أحدٌ من الصَّحابة يذهب إلى الغار المذكور في القرآن للزيارة والصلاة فيه، ولا كانوا يذهبون إلى غارِ حِرَاء، وهو المكان الذي كان يتعبَّد فيه قبل النُّبُوة، وفيه نزل عليه الوحي أولًا، فلم يكُن هو ولا أصحابه يذهبون إلى غار حراء، وصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بمقام إبراهيم، ولم يستلمْه ولم يُقبِّله، فدل ذلك على أن التمسُّح بحيطان الكعبة غير الركنين اليمانِيَيْن، وتقبيل شيء منهما غير الحجر الأسود ليس بسُنَّة، ودل على أنَّ استلام مقام إبراهيم وتقبيلَه ليس بسنة."
وإذا كان هذا بنفس الكعبة ونفس مقام إبراهيم بها، فمعلوم أنَّ جميعَ المساجد حرمتها دون حرمة الكعبة، وأنَّ مقامَ إبراهيم بالشام وغيرها وسائر مقامات الأنبياء دُون المقام الذي قال الله فيه: {واتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] ، فعلم أن سائر المقامات لا تقصد للصلاة فيها، كما لا يُحَجُّ إلى سائر المشاهد، ولا يُتمسَّح بها، ولا يقبَّل شيء من مقامات الأنبياء ولا المساجد ولا الصَّخرة، ولا غيرها، ولا يُقبَّل ما على وجه الأرض إلا الحجر الأسود"."
قال الشيخ ابن تيميَّة في (مجموع الفتاوى) (ج 17 ص 463) :
"ثبت عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنَّه كان في سفر، فرأى قومًا يتناوبون مكانًا للصلاة، فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا مكانٌ صلَّى فيه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنَّما هلك مَن كان قبلكم بهذا، إنَّهم اتَّخذوا آثارَ أنبيائهم مساجد، مَن أدركته الصلاة فليصل، وإلا فليمْض."
وبلغه أن قومًا يذهبون إلى الشجرة التي بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه تحتها، فأمر بقطعِها، وأرسل إلى أبي موسى يذكر له أنَّه ظهر بتستر قبرُ دانيال، وعنده مصحف فيه أخبار ما سيكون، قد ذكر فيه أخبار المسلمين، وأنَّهم إذا أجدبوا كشفوا عن القبر فمُطِروا، فأرسل إليه