عمر يَأمُرَه أن يحفر بالنَّهار ثلاثةَ عشرَ قبرًا، ويدفنه بالليل في واحد منها؛ لئلاَّ يعرفه الناس، لئلا يفتنوا به.
فاتِّخاذ القبور مساجدَ مما حرمه الله ورسولُه، وإن لم يُبْنَ عليها مسجد، فكان بناء المساجد عليها أعظم، كذلك قال العلماء: يحرم بِناء المساجد على القبور، ويَجب هدْم كل مسجد بُني على قبر، وإن كان الميت قد قُبر في مسجد وقد طال مكثه، سُوِّي القبر حتى لا تظهر صورته.
كذلك، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصلِّ بمسجدٍ إلا المسجد الحرام، ولم يأت للعبادات إلا المشاعر: منًى، ومزدلفة، وعرفة، فلهذا كان أئمةُ العلماء على أنَّه لا يُستحَبُّ أن يُقصد مسجد بمكة للصلاة غير المسجد الحرام، ولا تُقصد بقعة للزيارة غير المشاعر التي قصدها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا كان هذا في آثارهم، فكيف بالمقابر التي لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَن اتخذها مساجد، وأخبر أنهم شرار الخلق عند الله يوم القيامة.
وكذلك نذكر الله وندعو بعرفات، وبمزدلفة، وبالصفا والمروة، وبيْن الجمرات، وعند الرمي، ولا نقصدُ هذه البقاعَ للصلاة، وأمَّا غير المساجد ومشاعر الحج، فلا تُقصد بقعةٌ لا للصلاة ولا للذكر ولا للدعاء، بل يصلِّي المسلم حيث أدركتْه الصلاة، لا حيث نهي، ويذكر الله ويَدعوه حيث تيسر من غير قصد تخصيص بقعة بذلك"."
يقول ابن عثيمين في (القول المفيد) (ج 1 ص 195) :
"الأمكنة التي صلى فيها الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - اتفاقًا كأنْ يكون في سفر، ونحو ذلك، ولم يقصد تَخصيصها بالصلاة فيها، فإنه لا يشرع تتبعها والتقرُّب إلى الله بالصلاة فيها؛ لأنَّها لم تكن مقصودة لذاتها، ومن باب أولى الأماكن التي ارتَبطت بحوادثَ نبوية، كغار حراء، وغار ثَوْرِ، وموقعة بدر، ومكان شجرة بيعة الرضوان التي يُقال لها: شجرة الرضوان، فيصلون عندها، فبلغ ذلك عمرَ بن الخطاب، فأوعدهم فيها وأمرهم بقطعها"، ثم يقول:"ومِن ذلك تَخصيصُ أزمنةٍ مُعينة بنوعٍ من التعظيم والاحتفالات والعبادات، كيوم مولد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويومِ الإسراء والمعراج، ويوم الهجرة، ويوم بدر، وفتح مكة، وغير ذلك، كالتبرُّك بالأزمنة على هذا النحو من البدع".
ويقول - رحمه الله تعالى:"ومن التبرُّك الباطل: التبرُّك بذوات الصالحين وآثارهم، فلم يُؤْثر عن أحدٍ من الناس أنَّه تبرك بوَضوء أبي بكر أو عَرَقه أو ثيابِه أو رِيقه، أو غير ذلك،"