الصفحة 16 من 33

ولا عُمر، ولا عُثمان، ولا علي، وإنَّما كان الصحابةُ يتبرَّكون بوَضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - وجسمه وعرقه وريقه وشَعَرِه وملابسه، وهذا خاصٌّ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يَجوز أن يُقاس عليه أحد من الصالحين، ولو كانوا الخلفاء الراشدين، أو العشرة المبشرين بالجنة، فضلًا عن غيرهم؛ لأنَّ التبركَ عبادة مبناها على التوقيف والاتباع"."

وفي محاسن التأويل عند الآية رقم 139 من سورة الأعراف:

قال الرَّازي:"أجمع كلُّ الأنبياء - عليهم السلام - على أنَّ عبادةَ غير الله - تعالى - كفْرٌ، سواء اعتقد في ذلك الغيرِ كونه إلِهًا للعالم، أم اعتقد أنَّ عبادته تقرُّبٌ إلى الله - تعالى - لأنَّ العبادة نِهاية التعظيم، فلا تليقُ إلا بمن يصْدُر منه غايةُ الإنعام، وهي بخلق الجسم والحياة والشهوة والقدرة والعقل، وخلْق الأشياء المنتفع بها، والقادر على هذه الأشياء ليس إلا الله - تعالى - فوجب أنْ لا تليق العبادة إلا به"؛ انتهى.

وعن أبي واقد الليثي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا خرج إلى غزوة حُنين مرَّ بشجرةٍ للمشركين كانوا يُعلِّقون عليها أسلحتَهم، يقال لها: (ذات أنواط) فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذاتَ أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلَهًا كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سُنَنَ مَن كان قبلكم ) ) [1] .

وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي المالكي:

"انظروا - رَحِمَكم الله - أينما وَجدتُم سِدرةً أو شجرةً يَقصدها الناسُ، ويُعظمونَها، ويرجون البُرْء والشفاء من قِبَلِها، ويضربون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط فاقطعوها".

وقال الحافظ أبو شامة الشافعي في كتاب (البدع والحوادث) :

"وقد عمَّ الابتلاءُ بتزيين الشياطين للعامَّة تَخليقَ الحيطان والعُمُد، فيفعلون ذلك ويُحافظون عليه مع تضيِيعهم فرائضَ الله وسننه، ويظُنُّون أنَّهم مُتقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أنْ يَعظُم وقعُ تلك الأماكن في قلوبهم، فيُعظِّمونها ويرجون الشفاءَ لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي مِن بين عيون وشجر، وحائط وحجر، ثُم شرح شجرةً مَخصوصة، فقال: ما أشبهها بذات أنواط التي في الحديث!"؛ محاسن التأويل (ج 7) .

(1) أخرجه الترمذي 2180، وأحمد 5/ 218، والحميدي 2/ 375، وقال الترمذي: حسن صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت