ورَوى الشيخان والإمام أحمد [1] عن عائشة أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال في مرض مَوته: (( لعن الله اليهودَ والنصارى، اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ ) )؛ تقول عائشة: يُحذِّرهم مِثلَ الذي صَنعوا، وفي رواية: قالت عائشة: (( ولولا ذلك، لأُبْرِزَ قبرُه، ولكن كَره أن يُتخذ مسجدًا ) ).
فهم دفنوه في حجرة عائشة بخلاف ما اعتادوه من الدَّفن في الصحراء؛ لئلا يصلِّيَ أحدٌ على قبره ويُتخذ مسجدًا، فيتخذ قبره وثنًا، ومعلوم أنَّ الأنبياء يدفنون حيث يَموتون.
واتَّفق الأئمةُ على أنه لا يتمسَّح بقبرِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يقبله، وهذا كله؛ مُحافظةً على التوحيد، فإن من أصول الشرك بالله اتِّخاذَ القبور مساجد، كما قالت طائفة من السلَف في قوله - تعالى: {وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَداًّ وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] .
قالوا: هؤلاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قُبُورهم، ثم صوَّروا على صورهم تماثيل، ثم طال عليهم الأَمَد فعبَدوها، وقد ذُكر هذا المعنى في (الصحيحين) ، وعند الإمام أحمد عن عائشة - رضي الله عنها - أنَّ حبيبةَ وأمَّ سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: (( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنَوْا على قبره مسجدًا، وصوَّرا فيه تلك الصور، أولئك شرارُ الخلق عند الله - عزَّ وجلَّ - يوم القيامة ) ).
وذكره الإمام محمد بن جرير في تفسيره عن غير واحد من السلف؛ انظر: باب: النهي عن اتِّخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجدَ للتبرك والتعظيم، (صحفة 73) من كتاب المساجد في الجزء الثالث من كتابنا هذا، واقرأ أحكامَه وكلامَ المحقِّقين في ذلك.
وما جرَّ المصائب على عوامِّ الناس، وغَرَسَ في أذهانِهم أنَّ الصالحين من أصحابِ القبور ينفعون ويَضُرُّون، حتَّى صاروا يشركونهم مع الله في الدُّعاء، ويطلبون منهم قضاءَ الحوائج، ودفْعَ المصائب - إلاَّ تَساهُلُ معظمِ المتأخِّرين من العلماء، وذِكْرُ هذه البدع في كتبِهم.
ولا أدري ما الذي ألجأهم إلى ذلك وأحاديثُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تُحذِّر منه؟! أكان هؤلاء أعلمَ بسُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حيث أمر بقطع الشَّجرة
(1) البخاري 1334، ومسلم 529، وأحمد 6/ 34، 80، 121.