ونقل ابن عاشور عن الطِّيبِيُّ: «فَقَوْلُهُ: [يُقاتِلُونَ] بَيَانٌ، لِأَنَّ مَكَانَ التَّسْلِيمِ هُوَ الْمَعْرَكَةُ، لِأَنَّ هَذَا الْبَيْعَ سَلَمٌ [1] ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ [بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ] وَلَمْ يَقُلْ: [بِالْجَنَّةِ] .
وَأُتِيَ بِالْأَمْرِ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ، ثُمَّ أَلْزَمَ اللَّهُ الْبَيْعَ مِنْ جَانِبِهِ، وَضَمِنَ إِيصَالَ الثَّمَنِ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: [وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا] ، أَيْ لَا إِقَالَةَ وَلَا اسْتِقَالَةَ مِنْ حَضْرَةِ الْعِزَّةِ.
ثُمَّ مَا اكْتَفَى بِذَلِكَ بَلْ عَيَّنَ الصُّكُوكَ الْمُثْبَتَ فِيهَا هَذِهِ الْمُبَايَعَةُ وَهِيَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالْقُرْآنُ» [2] .
_ وقال تعالى: [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ] (البقرة: 207) .
يشري: أي يبيع.
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ في سبب نزول هذه الآية, قَالَ: أَقْبَلَ صُهَيْبٌ مُهَاجِرًا إِلَى النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ وَانْتَثَلَ مَا فِي كِنَانَتِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْمَاكُمْ رَجُلًا، وَايْمُ اللَّهِ لَا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَرْمِيَ بِكُلِّ سَهْمٍ مَعِي فِي كِنَانَتِي، ثُمَّ أَضْرِبَ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي مِنْهُ شَيْءٌ، ثُمَّ افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى مَالِي وَقَيْنَتِي بِمَكَّةَ وَخَلَّيْتُمْ سَبِيلِي.
قَالُوا: نَعَمْ، فَفَعَلَ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ الْمَدِينَةَ قَالَ:"رَبِحَ الْبَيْعَ أَبَا يَحْيَى رَبِحَ الْبَيْعَ أَبَا يَحْيَى"، قَالَ: وَنَزَلَتْ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [3] .
وفي رواية: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا سَبَقَنِي إِلَيْكَ أَحَدٌ، وَمَا أَخْبَرَكَ إِلَّا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ [4] .
_ وقال تعالى: [فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا] (النساء: 74) .
وغير ذلك من الآيات.
2 _ تلاوة القرآن، وإقامة الصلاة، والنفقة في سبيل الله: قال الله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ] (فاطر: 29، 30) .
فالتِّجَارَةُ مُسْتَعَارَةٌ لِأَعْمَالِهِمْ مِنْ تِلَاوَةٍ وَصَلَاةٍ وَإِنْفَاقٍ.
وَوَجْهُ الشَّبَهِ مُشَابَهَةُ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ بِتَرَتُّبِ الرِّبْحِ عَلَى التِّجَارَةِ.
(1) قال ابن قدامة في"المغني" (4/ 207) في تعريف بيع السلم وحكمه:"هُوَ أَنْ يُسْلِمَ عِوَضًا حَاضِرًا، فِي عِوَضٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ إلَى أَجَلٍ، وَيُسَمَّى سَلَمًا، وَسَلَفًا. يُقَالُ: أَسْلَمَ، وَأَسْلَفَ، وَسَلَّفَ. وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ، يَنْعَقِدُ بِمَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ، وَبِلَفْظِ السَّلَمِ وَالسَّلَفِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْ الشُّرُوطِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ جَائِزٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ".
(2) "التحرير والتنوير" (11/ 39) .
(3) رواه الحارث في مسنده (679) واللفظ له، وابن شبة في"تاريخ المدينة" (2/ 479) والطبراني في الكبير (7296) ، وغيرهم.
(4) رواه الحاكم في المستدرك (5706) ، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ»