الصفحة 15 من 23

وَالْمَعْنَى: لِيَرْجُوا أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُهُمْ كَتِجَارَةٍ رَابِحَةٍ.

وَالْبَوَارُ: الْهَلَاكُ. وَهَلَاكُ التِّجَارَةِ: خَسَارَةُ التَّاجِرِ. فَمَعْنَى لَنْ تَبُورَ أَنَّهَا رَابِحَةٌ.

ولَنْ تَبُورَ صِفَةُ تِجارَةً. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يَرْجُونَ عَدَمَ بَوَارِ التِّجَارَةِ [1] .

قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: هذه آية القراء، وهذا على أن [يَتْلُونَ] بمعنى يقرؤون. وإن جعلناها بمعنى يتبعون صح معنى الآية، وكانت في القراء وغيرهم ممن اتصف بأوصاف الآية.

وكِتابَ اللَّهِ هو القرآن، وإقامة الصلاة إقامتها بجميع شروطها، والنفقة هي في الصدقات ووجوه البر، فالسِّرُ من ذلك هو التطوع والعلانية هو المفروض.

و [يَرْجُونَ] جملة في موضع خبر إِنَّ، و [تَبُورَ] معناه تكسد ويتعذر ربحها، ويقال تعوذوا بالله من بوار الأيِّم.

واللام في قوله: [لِيُوَفِّيَهُمْ] متعلقة بفعل مضمر يقتضيه لفظ الآية تقديره وعدهم بأن لا تبور، لو فعلوا ذلك كله، أو أطاعوه ونحو هذا من التقديرات، وَالتَّوْفِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ وَافِيًا، أَيْ تَامًّا لَا نَقِيصَةَ فِيهِ وَلَا غَبْنَ.

وقوله: [وَيَزِيدَهُمْ] مِنْ فَضْلِهِ قالت فرقة: هو تضعيف الحسنات من العشر إلى السبعمائة، وتوفية الأجور على هذا هي المجازاة مقابلة، وقالت فرقة: إن التضعيف داخل في توفية الأجور.

وأما الزيادة من فضله إما النظر إلى وجهه تعالى، وإما أن يجعلهم شافعين في غيرهم، كما قال تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ) [يونس: 26] قال ابن عباس في معنى الزيادة: سوى الثّواب ما لم تر عين ولم تسمع أُذن.

وَأَسْجَلَ عَلَيْهِمُ الْفَضْلَ بِأَنَّهُ يَزِيدُهُمْ عَلَى مَا تَسْتَحِقُّهُ أَعْمَالُهُمْ ثَوَابًا مِنْ فَضْلِهِ، أَيْ كَرَمِهِ، وَهُوَ مُضَاعَفَةُ الْحَسَنَاتِ الْوَارِدَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: [كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ] [الْبَقَرَة: 261] الْآيَةَ

و [غَفُورٌ] معناه متجاوز عن الذنوب ساتر لها، و [شَكُورٌ] معناه مجاز عن اليسير من الطاعات مقرب لعبده [2] .

وقال الخطّابي: هو الذي يشكُر اليسيرَ من الطاعة، فيُثيب عليه الكثير من الثواب، ويُعطي الجزيل من النِّعمة، ويرضي باليسير من الشُّكر ومعنى الشُّكر المضاف إِليه: الرِّضى بيسير الطَّاعة من العبد، والقبول له، وإِعظام الثواب عليه [3] .

والمعنى: يرجون بفعلهم هذا تجارة لن تفسُد ولن تَهْلِك ولن تَكْسُد، جزاء أعمالهم.

وفي الحديث: عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ لِفُلَانٍ نَخْلَةً، وَأَنَا أُقِيمُ حَائِطِي بِهَا، فَأْمُرْهُ أَنْ يُعْطِيَنِي حَتَّى أُقِيمَ حَائِطِي بِهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَعْطِهَا إِيَّاهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ"فَأَبَى، فَأَتَاهُ أَبُو الدَّحْدَاحِ فَقَالَ: بِعْنِي نَخْلَتَكَ بِحَائِطِي. فَفَعَلَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدِ ابْتَعْتُ النَّخْلَةَ بِحَائِطِي. قَالَ:"فَاجْعَلْهَا لَهُ، فَقَدْ أَعْطَيْتُكَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"كَمْ مِنْ

(1) "التحرير والتنوير" (22/ 307، 308) .

(2) "تفسير ابن عطية"="المحرر الوجيز" (4/ 438) .

(3) "زاد المسير" (3/ 510) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت