هل مطلوب منا أن نسئ الظن في كل من عمل عملًا ظاهره الصلاح ونقول أنه إنما يتاجر به وأن له أغراضًا خبيثةً من ورائه أو يبتغي به أهدافًا عاجلة ومآرب دنيوية قاصرة؟!
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران:199]
العلمانيون ومن لف لفهم من الليبراليين وغيرهم، يتهمون كل ملتزم بالدين في نفسه، لكنه أراد أن يأخذ مكانه في إدارة الدولة، بأنه متاجر بالدين، وكأن المتاجرة بالدين عندهم تهمة جاهزة دون تحقيق أو فحص لكل من تسول له نفسه من أهل الدين أن يتدخل في شؤون الحكم، وذلك بغض النظر عن كونه يريد الإصلاح أو يريد التوصل إلى الدنيا بالدين.
وهذا الخلط المتعمد بغية الوصول إلى هدف استبعاد الدين من واقع الناس في الحكم، فيه تجن عظيم على الدين والمتدينين.
والواجب عليهم أن يفرقوا بين أهل الدين الذين يريدون الوصول إلى السلطة، لإدارة شؤون الدولة وفق مقتضيات الشريعة وأحكامها ابتغاء مرضاة الله واقتفاء لأثر النبي _صلى الله عليه وسلم_ وبين أن يفعله البعض ابتغاء زينة الحياة الزائلة أو بغية ظلم الناس والاعتداء على حقوقهم. فليس كل متدين يريد السلطة هو بالضرورة متاجر بالدين ومستغل له استغلالا سيئا، كما هو معلوم.
وقد نص الفقهاء على أن من شروط الإمامة (الرئاسة) أن يكون من أفضلهم في العلم والدين [1] .
ومما لا شك فيه أن اختيار الأفضل لأي ولاية أو عمل هو الأقرب إلى المصلحة في الغالب.
بل إن الدين قد أنزل إلى الأرض لكي يتم توظيفه في الحياة العامة والخاصة قاطبة الأمر الذي يعلمه كل مسلم مخلص لدينه.
غير أن التوظيف السيئ الانتهازي المصلحي المادي الدنيوي لدين الله _عز وجل_ لا خلاف على رفضه ولا يقر به أحد.
(1) ـ"الأحكام السلطانية" (ص 20) ؛ لأبي يعلى.