التجارة للدين والتجارة بالدين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد ..
فإن مصطلح (( التجارة بالدين ) )قد اشتهر تداوله في كلام أهل العلم قديما وحديثا، وغالب ما يقصدون به: طلب الدنيا بالدين، وهذا مما ينافي مقصد التكلف، والإخلاص في العبادة ابتغاء وجه الله تعالى.
وكانوا يطلقون هذا غالبا على بعض الوعاظ أو العلماء الذين ليس لهم غرض من وعظهم أو علمهم إلا تحصيل حطام الدنيا الفاني، وتبؤ المناصب العلمية أو السياسية.
كما كانوا يطلقونه على بعض الساسة الذين يُخضِعُونَ رعاياهم باستخدام الدين، سواء كان ذلك عن طريق علماء السلاطين، أم كان عن طريق تأثير السلطان نفسه.
ثم كثر استعمال هذا المصطلح في الأزمنة الأخيرة _وخاصة بعد سقوط الخلافة الإسلامية (سنة: 1924 م) _، وذلك من جانب المستبدين وسَدَنَتِهِم، ممن يحملون لهم المباخر؛ لتجنيب حملة الدين، وعزلهم عن الناس، والحط من رتبتهم، وإضعاف تأثيرهم في عموم الأمة، فكلما نشأ مُصْلِحٌ يريد أن يُرَشِّدَ سياسةَ الأمةِ ويُخضعها لدين الله تبارك وتعالى؛ كانت أول تهمة يوجهونها إليه وإلى أنصاره، هي أنهم يتاجرون بالدين، أو تجار دين!!
وهو مصطلح استعذبه المستبدون بمؤازرة من أصحاب الأفكار المنحرفة التي تدعو إلى تنحية الدين عن حياة الناس وواقعهم، والاكتفاء منه بمجرد المظاهر والرسوم، التي لا نرى أحدا منهم يؤدي منها شيئا إلا في النزر القليل، ثم يطلقون على أنفسهم في النهاية (المثقفون) .
بل إننا عرفنا عن أكثرهم أنهم منهمكون في المعاصي والشرور، إما استهانة بها، وإما استحلالا لها، مع المجاهرة بها أحيانا؛ بدعوى الحرية الشخصية، وحدِّث عنهم في هذا ولا حرج، فمن شرب الخمور إلى مخادنة النساء، وهلم جرا.
وهم مع هذا يتبجحون بوجه صلف، وجلد سميك، وينسبون أهل الدين إلى التخلف والرجعية والعداوة للحضارة والتقدم، والمتاجرة بالدين!!.
بل وجدنا أن هؤلاء المستبدين يُسَخّرُونَ لذلك بعض من تظهر عليهم آثار العلم، من حملة الشهادات والأوسمة، أو ممن لهم قبول عند طائفة من الناس، فينفخون في أنوفهم؛ حتى يصيرورا أبواقا لهم فيما يثبت عروشهم، ويملأ كُروشهم ... !
ثم إذا تمت الاستفادة منهم في هذا الباطل والضلال؛ يكون مصيرهم بعد انتهاء مهمتهم القذرة أن يُلقوا في صناديق القمامة كالمناديل الورقية المستعملة، وهذا دائما جزاء الذين: [اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (التوبة: 9) . [لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ] (البقرة: 114) .