وقال تعالى: [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ] (الحج: 8 _10) .
قال الكواكبي:"يُقال: إنَّه ما من مستبدٍّ سياسيّ إلى الآن إلا ويتَّخذ له صفة قدسيّة يشارك بها الله، أو تعطيه مقامَ ذي علاقة مع الله. ولا أقلَّ من أنْ يتَّخذ بطانة من خَدَمَةِ الدِّين يعينونه على ظلم النَّاس باسم الله، وأقلُّ ما يعينون به الاستبداد، تفريق الأمم إلى مذاهب وشيع متعادية تقاوم بعضها بعضًا، فتتهاتر قوَّة الأمّة ويذهب ريحها، فيخلو الجوّ للاستبداد ليبيض ويُفرِّخ، وهذه سياسة الإنكليز في المستعمرات، لا يُؤيِّدها شيء مثل انقسام الأهالي على أنفسهم، وإفنائهم بأسهم بينهم بسبب اختلافهم في الأديان والمذاهب."
ويُعَلِّلُون أنَّ قيام المستبدِّين من أمثال (أبناء داود) و (قسطنطين) في نشر الدِّين بين رعاياهم، وانتصار مثل (فيليب الثّاني) الأسباني و (هنري الثّامن) الإنكليزي للدِّين، حتَّى بتشكيل مجالس (انكيزيسيون) وقيام الحاكم الفاطميّ والسَّلاطين الأعاجم في الإسلام بالانتصار لغلاة الصُّوفيّة، وبنائهم لهم التّكايا، لم يكنْ إلا بقصد الاستعانة بممسوخ الدِّين وببعض أهله المغفَّلين على ظلم المساكين، وأعظم ما يلائم مصلحة المستبدّ ويُؤيّدها أنَّ النّاس يتلقّون قواعده وأحكامه بإذعان بدون بحث وجدال، فيودّون تأليف الأمّة على تلقّي أوامرهم بمثل ذلك، ولهذا القصد عيْنه، كثيرًا ما يحاولون بناء أوامرهم أو تفريعها على شيءٍ من قواعد الدِّين" [1] ."
قال الكواكبي أيضا:"المستبد يتّخذ المتمجّدين [2] سماسرة لتغرير الأمة باسم خدمة الدين، أو حبّ الوطن، أو توسيع المملكة، أو تحصيل منافع عامة، أو مسؤولية الدولة، أو الدفاع عن الاستقلال، والحقيقة أنَّ كلّ هذه الدواعي الفخيمة العنوان في الأسماع والأذهان ما هي إلا تخييل وإيهام يقصد بها رجال الحكومة تهييج الأمة وتضليلها، حتى إنَّه لا يُستثنى منها الدّفاع عن الاستقلال؛ لأنّه ما الفرق على أمةٍ مأسورة لزيد أن يأسرها عمرو؟ وما مثلها إلا الدّابة التي لا يرحمها راكب مطمئن، مالكًا كان أو غاصبًا."
المستبدُّ لا يستغني عن أن يستمجد بعض أفراد من ضعاف القلوب الذين هم كبقر الجنة لا ينطحون ولا يرمحون، يتّخذهم كأنموذج البائع الغشاش، على أنّه لا يستعملهم في شيء من مهامه، فيكونون لديه كمصحف في خمّارة
(1) "طبائع الاستبداد" (ص 29، 30) .
(2) يقول الكواكبي في تعريف التمجد (ص 60) :"التمجّد خاص بالإدارات المستبدَّة، وهو القربى من المستبدِّ بالفعل كالأعوان والعمال، أو بالقوة كالملقَّبين بنحو دوق وبارون، والمخاطبين بنحو ربِّ العزة وربّ الصولة، أو الموسومين بالنياشين، أو المطوَّقين بالحمائل، وبتعريفٍ آخر، التمجُّد هو أن ينال المرء جذوة نار من جهنم كبرياء المستبدِّ ليحرق بها شرف المساواة في الإنسانية."
وبوصفٍ أجلى: هو أن يتقلّد الرّجل سيفًا من قِبَل الجبارين يبرهن به على أنَّه جلاد في دولة الاستبداد، أو يعلِّق على صدره وسامًا مشعرًا بما وراءه من الوجدان المستبيح للعدوان، أو يتزين بسيور مزركشة تنبئ بأنّه صار مخنَّثًا أقرب إلى النساء منه إلى الرجال، وبعبارة أوضح وأخصر، هو أن يصير الإنسان مستبدًا صغيرًا في كنف المستبدِّ الأعظم"."