الصفحة 18 من 23

يقول الطبري في تفسير (الآيه 44 من سوره المائدة) (10/ 344) :" {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} يَقُول: وَلَا تَأْخُذُوا بِتَرْكِ الْحُكْم بِآيَاتِ كِتَابِي الَّذِي أَنْزَلْته عَلَى مُوسَى أَيّهَا الْأَحْبَار عِوَضًا خَسِيسًا، وَذَلِكَ هُوَ الثَّمَن الْقَلِيل. وَإِنَّمَا أَرَادَ تَعَالَى ذِكْره نَهْيهمْ عَنْ أَكْل السُّحْت عَلَى تَحْرِيفهمْ كِتَاب اللَّه وَتَغْيِيرهمْ حُكْمه عَمَّا حَكَمَ بِهِ فِي الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ، وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَام وغير ذلك من الأحكام التي بدَّلوها طلبًا منهم للرشَى". فهذه حالة اختار أصحابها أن يتاجروا بما معهم من كتاب مقابل الثمن القليل وهو وإن ظهر للناس أنه لا يُعد ولا يحصى فإن يظل قليلًا إذا قورن بما عند الله ينتظرهم إن لم يفرطوا فيما معهم من الخير.

ولقد اقترن بتلك المتاجرة إلقاء لما معهم من العلم خلف الظهور وكتمان العلم وترك البيان فبئس ما يشترون إذن فتلك التجارة الخاسرة آخرًا وإن ربحت ثمنًا قليلًا عاجلًا موجودة ومرصودة ولا يمكن إنكارها ولا شك أنه دائمًا يوجد وسيوجد من يتخذ الدين مهنة والقربات مصدرًا للمنفعة والاستغلال.

وجميع الآيات التي ذكرناها تدل على ذلك.

ذكرنا أن التجارة بالدين: هي طلب حكام الدنيا بالدين، وذلك بالظهور بصورة الدين بين الناس للحصول على المكاسب الدنيوية لا غير.

ويستوي في هذه المتاجرة أهل الدين الحق، وأهل الأديان الباطلة، والملل الفاسدة، والأفكار الوضعية المختلفة كالعلمانية والليبرالية وغيرهم.

وهذا يعني أن التجارة بالدين لا تقتصر على أهل الإسلام، وهو مذموم في كل الأحوال كما بينا من قبل.

أ _ التجارة بالدين الحق:

لقد أنزل الله الشريعة الإسلامية لهداية الخلق والأخذ بنواصيهم إلى الله تعالى، وتوعد الله تعالى من يستخدم هذ الدين ليتوصل به إلى أغراضه الدنيوية، وسمى هذا الفعل تجارة، لكنها غير رابحة، ونصوص الكتاب والسنة في هذا كثيرة جدا.

ومن صور هذه التجارة: استغلال ذوي السلطان لبعض ضعاف النفوس من العلماء، واستخراج الفتاوى التي تلائم استبدادهم، وتتفق مع مرادهم، فيقلبون لهم الباطل حقا، والحق باطلا، وما اكثرهم في هذا الزمان.

وكذلك استخدام بعض من يطلق عليهم مفكرين، وذلك بصورة عكسية، حيث يطلقهم ذوو السلطان للتكفير الفكري، الذي يظهر كل صورة للدين ممثلة في طائفة من الناس على أنهم يتاجرون بالدين.

ويمكننا أن نستدل بجميع الآيات السابقة على حرمة التجارة بالدين، وإن كان بعضها قد نزل في حق الكفار، أو المنافقين، أو اليهود والنصارى؛ لأن المقصود هو الاشتراك في المعنى، وإذا نهاهم الله عن مثل هذا، كان النهي في حقنا آكد؛ لأن كل ذم للأمم السابقة أو الكفار في أمر من الأمور، هو بالضرورة ذم لمن يفعلها من الأمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت