الصفحة 19 من 23

المسلمة، كما استدل سيدنا عمر بن الخطاب بقوله تعالى: [أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا] (الأحقاف: 20) .

قال الشاطبي:"ألا ترى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لبعض من توسع في الدنيا من أهل الإيمان:"أين تذهب بكم هذه الآية: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} [الأحقاف: 20] "، وكان هو يعتبر نفسه بها وإنما أنزلت في الكفار لقوله: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم} الآية [الأحقاف: 20] ، ولهذا المعنى تقرير في العموم والخصوص، فإذا كان كذلك؛ صح التنزيل بالنسبة إلى النفس الأمارة في قوله: {فلا تجعلوا لله أندادا} [البقرة: 22] ، والله أعلم" [1] .

ويستأنس لذلك أيضا بما عن الْحَسَنَ بْنَ عِيسَى مَوْلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ:"إنمَّا النَّاسُ الْعُلَمَاءُ وَالْمُلُوكُ والزُّهَّادُ وَالسِّفْلَةُ الَّذِين يَأْكُلونُ بِدِينِهمِ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، ثُمَّ قَرَأَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [التوبة: 34] ".

قَالَ:"يَأْكُلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ". قَالَ: فَبَكَى فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ بُكَاءًا شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ:"كَذَبَ مَنْ قَالَ: أنَّهُ لَا يَأْكُلُ بِدِينِهِ أَنَا - وَاللهِ - آكُلُ بِدِينِي" [2] .

ومما ورد في ذلك:

_ قوله تعالى: [أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ] (البقرة: 16) .

أي: بَذَلُوا الْهُدَى ثَمَنًا لِلضَّلَالَةِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مِنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدْ حَصَلَ لَهُ الْإِيمَانُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إِلَى الْكُفْرِ، خَرَجُوا مِنَ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالَةِ، وَمِنَ الْجَمَاعَةِ إِلَى الْفُرْقَةِ، وَمِنَ الْأَمْنِ إِلَى الْخَوْفِ، وَمِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْبِدْعَةِ [3] .

فَقَدِ اشْتَرَوْا مَا لَا يَنْفَعُ وَبَذَلُوا مَا يَنْفَعُ فَلَا جَرَمَ أَنْ يَكُونُوا خَاسِرِينَ وَأَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ.

ففِي الْآيَةِ تَشْبِيهٌ لِحَالِ الْمُنَافِقِينَ إِذْ قَصَدُوا مِنَ النِّفَاقِ غَايَةً فَأَخْفَقَتْ مَسَاعِيهِمْ وَضَاعَتْ مَقَاصِدُهُمْ بِحَالِ التُّجَّارِ الَّذِينَ لَمْ يَحْصُلُوا مِنْ تِجَارَتِهِمْ عَلَى رِبْحٍ [4] .

_ وعن أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، يَقُولُ: كُنْتُ مُخَاصِرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا إِلَى مَنْزِلِهِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:"غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُ عَلَى أُمَّتِي مِنَ الدَّجَّالِ"فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَدْخُلَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ شَيْءٍ أَخْوَفُ عَلَى أُمَّتِكَ مِنَ الدَّجَّالِ؟ قَالَ:"الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ" [5] .

(1) "الموافقات" (4/ 244) .

(2) رواه البيهقي في"شعب الإيمان" (1706) .

(3) "تفسير ابن كثير" (1/ 186) .

(4) "التحرير والتنوير" (1/ 300) .

(5) رواه احمد (21297) وهو حديث حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت