الصفحة 4 من 17

بخلاف ذلك جاء توجه الحجاجيات اللسانية مسكونا بهاجس التدقيق والتنسيق لهذا النوع من الدراسة، فكان التدقيق في تعيين موضوع الاشتغال الذي سيغدو محصورا في تلك المعطيات التداولية التي تنطبع في بنية اللغة، ومن ثم تتيسر معالجتها معالجة لسانية ملموسة، بل أكثر من ذلك سيصير هذا التوجه عنايته كلها إلى مظاهر أكثر تحديدا ضمن هذه المعطيات التداولية، وهي التي تتصل بالفاعلية الحجاجية. وكان التنسيق بتعيين الحدود النظرية لهذا التوجه، والخطةالدقيقة التي سيسير في ضوئها مشروع التداولية المدمجة في صورتها المدققة والمنسقة، والخطوات المضبوطة التي ستقود إلى تحويل التداولية من مجرد تأملات فلسفة عامة، إلى الاندراج في سلك الأبحاث العلمية الناضجة. [1]

وتنطلق هذه النظرية من الفكرة الشائعة التي مؤداها:"أننا نتكلم عامة بقصد التأثير"وهي تحاول أن تبين أن اللغة تحمل، بصفة ذاتية وجوهرية، وظيفة حجاجية، أي إن هذه الوظيفة مؤشر لها في بنية الأقوال نفسها، وفي المعنى وكل الظواهر الصوتية والصرفية والمعجمة والتركيبة والدلالية، وتنتمي دراسة الحجاج إلى البحوث التي تسعى إلى اكتشاف منطق اللغة، أي القواعد الداخلية للخطاب، والمتحكمة في تسلسل الأقوال وتتابعها بشكل متنام وتدريجي، وبعبارة أخرى فإن الحجاج يتمثل في إنجاز تسلسلات استنتاجية داخل الخطاب. [2]

وهذا البحث يحاول أن يقدم صورة عن أهم التطورات التي شهدتها مدرسة الحجاجيات اللسانية في الدلالة والتداول، وقبل أن نجوس في مسارب هذه التطورات الجديدة لابد من الاشارة إلى بعض الافكار التي جاء بها هذا التوجه، من وبهذا، في مكنتنا القول إنهما مارسا نوعا من التقويم اللساني والمنطقي للنزعة المنطقية والوضعية التي تعتبر القضية هي مدار الصدق والكذب في جهة الدلاليات المنطقية، مما أسفر عنه إغفال البعد التداولي لأفعالنا اللغوية والكلامية، وأما الاستعاب الثاني من قبل اتجاه الحجاجيات اللسانية فهو تأكيد على الفاعلية اللغوية كجزء من نظرية أفعال الكلام التي وضع أصولها وفصولها كل من جون أوستين وجول سورل وغرايس. فهؤلاء جميعهم قد رسخوا مبدأ القصدية في الفعل الإنجازي. فانظر كيف أن اللغة والتواصل لم تبق في نقل المعلومات من مرسل إلى مرسل إليه، بل صار الأمر، مع الحجاجيات اللسانية، يتمثل في إبراز القوة الحجاجية ولقصد الحجاجي ... إلخ، حتى صار الحديث يدخل في مدار التداوليات المندمجة.

ومن البين أيضا، أن كلام ديكرو وأنسكومبر عن دلالة الجملة من حيث هي مجموع الإرشادات التي تتضمنها هذه الجملة قد أفسح المجال نحو إدماج الوقائع التداولية ضمن التحليل الدلالي أو بعبارة أدق إعطاء الأهمية للملفوظات وآلياتها في بنية اللغة. كل ذلك يؤكد بقوة مدى حضور البرنامج السوسيري في نظرية الحجاجيات اللسانية عن طريق مبدأ المحايثة ومفهوم الموضع. وأما الاستيعاب الثالث فينجلي في استثمار

(1) رشيد الراضي، المظاهر اللغوية للحجاج مدخل إلى الحجاجيات اللسانية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 2014، ص:9 وما بعدها- بتصرف

(2) أبو بكر العزاوي، اللغة والحجاج، مؤسسة الرحاب الحديثة، الطبعة الأولى، 2014، ص:7

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت