الصفحة 6 من 17

أولا: التطورات الجديدة في الحجاجيات اللسانية:

في نقد مفهوم الموضع

من الضروري الإشارة إلى أن ستثمار الحجاجيات اللسانية لمفهوم الموضع سيصطدم بمجموعة من العقبات ستؤدي في آخر المطاف إلى التخلي عنه وإزالته من البناء النسقي للنظرية، وبالفعل فإن هذا الحماس الكبير تجاه مفهوم الموضع سوف تكون له ضريبة فادحة على هذا التوجه، ولن تفلح التقويمات والتعديلات المرحلية [1] ، من الحد من تفاقم المشاكل التي طرحها استعمال هذا المفهوم داخل النظرية، مما سيؤدي برواد هذا التوجه إلى التصريح بعدم الاعتماد على مفهوم الموضع في تفسير بعض القضايا اللغوية. [2]

» هذا بالفعل ما نجد الحديث عنه في الأعمال المتأخرة لهذه المدرسة التي تطالعنا في ثناياها دعوة واضحة إلى الاكتفاء باستثمار هذا المفهوم استثمارا عاما في قضايا تحليل الخطاب دون التعويل عليه في النظرية الدلالية، بعبارة أخرى سيتم فك الارتباط بين مستوى الدلالة الجملية والمواضع التي ستكف عن التدخل في هذا المستوى، أي إن التأليف بين مسلسلات الجمل ومن ثم تحديد القيمة الدلالية لن يظل كما كان في السابق قائما على الوظيفة القاعدية للمواضع، إذ سيصبح من اللازم البحث مرة أخرى عن آلية جديدة تحقق هذه المهمة.» [3] وما يجب الإشارة إليه هو أن التخلي عن مفهوم الموضع هو حضور بعض الوقائع الخارجية عن بنية اللغة التي فطن إليها رواد هذا الاتجاه حينما جعلوا نظرية المواضع مرتكزهم في تحليل جملة من القضايا اللغوية.

» إن هذا الحضور للواقع في الوصف اللساني هو الذي سيشكل نقطة التحول في مسار الحجاجيات اللسانية، فعلى الرغم من الجهود المتواصلة لتنقية النظرية من كل ما يتصل بمعطيات الواقع الخارجي وقصرها على دراسة الخطاب ولا شيء غير الخطاب، فإن المراجعة ظلت تكشف أن الواقع يحضر في كل مرة بصورة أو بأخرى في ثنايا النظرية، مما يهدد المشروع الأصلي لهذا التوجه، وهو كما بينا ذلك، إتمام البرنامج البنيوي المتمثل في دراسة اللغة في ذاتها ولأجل ذاتها، يقول ديكور:

"إذا كانت المسلسلة الخطابية تجسد بالفعل عملية حجاجية، وإذا كانت هذه الأخيرة قائمة على الموضع الذي يربط خاصيتين من العالم، وإذا كانت الحجة والنتيجة في المتوالية الخطابية تعبران على التوالي عن"

(1) ومن ضمنها التمييز بين الصورة الموضعية الداخلية، والصورة الموضعية الخارجية.

(2) أكد رواد هذه النظرية أنهم سيستمرون في استثمار مفهوم الموضع، لكنهم أكدوا بأن الأمر لن يظل كما في السابق، أي إن هذا المفهوم سيكف عن أداء دور الآلية التحتية التي تفسر التأليفات الخطابية، ومن ثم لن يبق عنصرا مكونا في نظرية الدلالة ضمن هذا التوجه

(3) الراضي، المظاهر اللغوية للحجاج مدخل إلى الحجاجيات اللسانية، المركز الثقافي العربي، الدار

البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 2014، ص: 227 - 228

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت