الصفحة 7 من 17

الخاصيتين اللتين تشكلان مقدم الموضوع وتاليه، فينبغي التسليم بأن الكلمات والجمل من اللسان تدل على مجالات من الواقع، وهذا بالضبط ما نسعى إلى تفاديه" [1] "

إن هذا المآل الذي آل إليه مفهوم الموضع داخل نظرية الحجاجيات اللسانية، لن يتوقف عند هذا الحد، بل إن تأثيره سيكون واضحا على النظرية في كليتها، فحتى الفكرة الجوهرية التي يرتكز عليها هذا التوجه، والقائلة بفكرة الحجاج داخل اللغة سوف تصبح محط مساءلة ومراجعة، من طرف رواد هذا التوجه أنفسهم، وفي هذا الصدد نستعين بنص لديكرو يبين فيه مآلات النظرية:

» إن النتيجة التي انتهيت إليها بعد هذا التفكير في المواضع هي أن أبحاثنا كانت تسير على غير هدى ... لقد أخطأنا حين اعتقدنا أننا بصدد بيان كيفية تحقق"الحجاج"بواسطة الكلمات اللغوية والأسباب الكامنة وراء ذلك. إن الذي تبين بالفعل بحسب ما يظهر لي هو أن الحجاج بواسطة الكلمات إنما هو محال من المحالات، وأن الخطابات حتى وإن كان من الدارج وصفها بصفة"الحجاجية"، لا تربطها صلة قريبة أو بعيدة بذلك الذي يفهم من عبارة"الحجاج"، وتبين أيضا أن الحجاج ما هو إلا سراب. لقد درج بعض النظار على القول إن الخطاب الذي يسري في الحياة اليومية لا يمكن أن ينشئ"براهين"...: هذا ما صرح به أرسطو حين جعل البرهان الضروري الذي ينماز به القياس، في مقابل الحجاج المخروم ذي الطابع الاحتمالي فقط، والذي ينماز به القياس المضمر، وقد ألح برلمان وكريز (Ekkehard Eggs) على هذه الفكرة. لقد كنا نرى في البدء سلوك هذا المسلك عاقدين العزم على أن نُحِلَّ في اللغة الحجاج محل البرهان عادِّين ذلك من الضروريات، وقد وقع في اعتقادنا أننا قد عثرنا على علة الخاصية الخَطابية أو علاماتها ... - أو بتعبيرنا الخاصية الحجاجية للخطاب - في كلمات اللسان، لكن الذي يَعِنُّ لي أننا انتهينا اليوم إلى قول أبعد من ذلك، فليست الكلمات عاجزة عن إنجاز البرهان فقط، بل هي كذلك قلما تسمح بتلك الصورة المتدرجة للبرهنة المسماة حجاجا. فهذه الأخيرة ليست أيضا إلا حلما من أحلام الخطاب، ونظريتنا ينبغي بالأحرى أن توسم بـ"نظرية اللاحجاج".» [2]

هكذا إذن تنتهي نظرية الحجاج داخل اللغة إلى سراب بتعبير ديكرو، لأن معطيات الواقع الخارجي دائما كانت تحضر بصورة أو بأخرى في صلب الدراسات التي قام بها ديكرو، هذا الأخير الذي حاول في أواخر أبحاثه أن يقيم ميزا بين الحجاج الخطابي والحجاج اللساني، في محاولة أخرى جادة إلى تحول الحجاج اللساني إلى بحث دلالي خالص ينهجنهج سوسير في التزامه الصارم بالمنظور البنيوي.

(1) رشيد الراضي، مفهوم الموضع وتطبيقاته في الحجاجيات اللسانية لأنسكومبر وديكرو، مجلة عالم فكر، العدد 40، الكويت، 2005، ص: 223

(2) الراضي، المظاهر اللغوية للحجاج مدخل إلى الحجاجيات اللسانية، المركز الثقافي العربي، الدار

البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 2014، ص:230 - 231

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت