فهرس الكتاب

الصفحة 648 من 2175

ثم وإن سلمنا دلالة ذلك على التقبيح، والتحسين في أفعال العباد؛ ولكن لا يلزم مثله في أفعال الله- تعالى- مع أنها من صور النزاع، إلا بطريق قياس الغائب على الشاهد؛ وهو متعذر كما سبق «1» .

ولهذا فإن السيد لو ترك عبيده، وإماءه يرتكبون الفواحش وهو مطلع عليهم، وقادر على منعهم؛ لكان ذلك قبيحا منه، وقد وجد مثل ذلك في حق الله تعالى- بالنسبة إلى العبيد، ولم يقبح منه ذلك.

فإن قيل: إنما يمكن تقبيح ذلك من الله- تعالى- أن لو كان قادرا على منع الخلق من المعاصى؛ ولا نسلم أنه قادر عليه على ما هو مذهب النظام «2» .

فإن قلتم: إنه يقدر على ذلك بأن لا يخلق لهم القدرة على المعصية؛ فإنما يصح أن لو كان هو الخالق لقدرهم؛ وهو غير مسلم، كما هو مذهب معمّر «3» .

وأيضا فإنه لا يخلو: إما أن يكون الرب- تعالى- عالما بأن من ارتكب الفواحش لا ينزجر، أو لم «4» يعلم «4» منه ذلك.

لا جائز أن يقال بالثانى: وإلا كان الرب- تعالى- جاهلا بعواقب الأمور؛ وهو ممتنع.

وإن كان عالما بأنه لا ينزجر: فمنعه عن ارتكاب الفاحشة لا يكون مقدورا للرب- تعالى- بمعنى منعه من الإتيان بها، وإلا لزم من عدم الإتيان بها أن يكون علم الرب- تعالى- جهلا؛ إذ الكلام إنما هو مفروض فيمن علم الله- تعالى- أنه لا ينزجر عن المعصية، وأنه لا بد له من فعلها؛ فلا يكون عدم زجرهم منه مستقيما.

قلنا: أما الإشكال الأول: فمندفع، بما سنبينه من أنه لا خالق إلا الله- تعالى.

(1) انظر ل 40/ أ.

(2) انظر الفرق بين الفرق ص 133 ففيها تفصيل لرأى النظام.

(3) معمّر بن عباد السّلمى. معتزلى من الغلاة من أهل البصرة. سكن بغداد، وناظر النظام. وهو من أعظم القدرية غلوا، وكان زعيما لفرقة نسبت إليه هى (المعمّريّة) توفى سنة 215 ه.

(لسان الميزان 6: 71 والفرق بين الفرق 151 ومقالات الإسلاميين 78 والملل والنحل 65) وانظر ما سيأتى في الجزء الثانى- القاعدة السابعة: الفرقة الرابعة عشرة: المعمرية ل 245/ ب وما بعدها.

(4) فى ب (أو لا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت