وأتناولها بالبحث في مسألتين: المسألة الأولى: الصيغة إذا جاءت بغير العربية. المسألة الثانية: الصيغة إذا جاءت استفهامية.
الفرع الأول: الصيغة إذا جاءت بغير اللغة العربية:
ذهب جمهور الفقهاء إلى انعقاد الزواج بغير العربية، إذا كان أحد المتعاقدين أو كلاهما لا يفهم العربية (5) ، فيصح ممن لا يحسن العربية عقد الزواج بلسانه، لاعتبار عجزه عن اللغة العربية حين العقد من جهة، ولإمكانية إتيانه بالمعنى الذي يدل عليه اللفظ العربي من جهة أخرى (6) .
أما إذا كان العاقد يفهم اللغة العربية ويستطيع العقد بها، ففي المسألة قولان رئيسان:
القول الأول: انعقاد النكاح بغير العربية:
وهو مذهب الجمهور من الحنفية (7) ، والمعتمد عند الشافعية (8) ، واختيار ابن تيمية من الحنابلة (9) .
ودليل هذا القول أنه قد أتى بلفظ خاص بالزواج وإن كان بغير العربية، إلا انه كمعناه، فيقوم مقامه، وينعقد الزواج به.
القول الثاني: عدم انعقاد النكاح بغير العربية.
وهو الصحيح في مذهب الحنابلة (10) ، وأحد الأقوال عند الشافعية (11) .
ودليل القول الثاني أنه عدول عن اللفظ الخاص بالزواج الوارد في القرآن الكريم الدال على انعقاده، مع القدرة عليه، فلا يقبل منه كما لا يقبل التكبير في الصلاة إلا باللغة العربية (12) .
مناقشة القولين وبيان القول المختار:
إن قياس ألفاظ الزواج على ألفاظ التكبير في الصلاة غير متجه، ذلك أن الثاني يقصد منه العبادة، فاختص بألفاظ معينة بلغة واحدة هي اللغة العربية، بخلاف الألفاظ الدالة على عقد الزواج، فهي وإن وردت في القرآن الكريم كلفظ الزواج والإنكاح، لكن لم يكن القصد منها في العقد الإعجاز الذي يختص به القرآن الكريم - بل قصد منها التعبير عن إرادة هذا العقد والرضا به، بمعنى يصح به الدلالة على عقد الزواج- وهذا تستوي فيه العربية وغيرها، إضافة إلى أن إرادة التعبد بألفاظ عقد الزواج، بحاجة إلى دليل شرعي، ومعلوم أن عقد الزواج كغيره من العقود لا تعبد فيه من جهة اللفظ، بدليل صحته من الكافر وغيره (13) .
وبالتالي فإن الألفاظ الواردة في صيغة عقد الزواج المدني وإن كانت ألفاظًا غير عربية إلا أن من شأنها أن ينعقد الزواج بها لأنها تدل بمعناها على ما يدل عليه اللفظ العربي من الإنكاح أو التزويج، وتعبر عما في نفس المتعاقدين من إرادة هذا الزواج والرضا به (15) .