الفاتيكان، وأنكر على البابا سلطتَه الروحية والزمنية، ونادى بالإصلاح الديني، كانت دعوته مؤسَّسةً على فهم جديد للكتاب المقدس، مستمَدٍّ من الدراسات الأصلية التي قام بها لوثر ومؤازروه وأتباعه.
وأراد الفاتيكان أن يواجه هذه الدعوة بنفس سلاحها، فاتجه نشاطه العلمي إلى الشرق - مهد الديانة المسيحية - فتناوله في جغرافيته، وتاريخه، ولغاته، وثقافته، وتطوره؛ للكشف عن أسرار الكتاب المقدس.
وأنشئت كراسي خاصة بتدريس اللغة العربية في عدة جامعات أوروبية؛ مثل: باريس، وروما، وأكسفورد.
وأجزل عطاء المترجمين للتراث الإنساني عن العربية، فكان يتم أولًا عن طريق نقله نقلًا حرفيًّا بواسطة من يجيد العربية من المسلمين أو النصارى أو اليهود، ثم يعمد رجال الدين إلى صياغته في أسلوب لاتيني مبين.
"رغب المسيحيون في التبشير بدينهم بين المسلمين، فأقبلوا على الاستشراق؛ ليتسنَّى لهم تجهيز الدعاة وإرسالهم للعالم الإسلامي" [2] .
وقد ظهر بوضوح في كتابات هؤلاء المبشرين تحاملٌ على الإسلام ونبيِّه وكتابه؛ لزعزعة عقائد المسلمين من جهة، ولتنفير الشعوب غير الإسلامية من الدين الإسلامي؛ ليسهل عمل المبشرين فيما بينهم من جهة أخرى.
ولعل ذلك يرجع إلى حقد دفين في النفوس مردُّه الهزائمُ المتلاحقة التي مُنِي بها الصليبيون طَوال قرنين من الزمان، أنفقوهما في محاولة الاستيلاء على بيت المقدس، وانتزاعه من أيدي المسلمين [3] .
أو كما يرى المستشرق الألماني بيكر: أن هناك عداء من النصرانية للإسلام؛ لأن الإسلام لما انبسط في العصور الوسطى أقام سدًّا في وجه انتشار النصرانية، ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها [4] .
(1) مصطفى خالدي، وعمر فروخ، التبشير والاستعمار في البلاد العربية، ص: 34 وما بعدها.
(2) محمد البهي الفكر الإسلامي الحديث، ص: 533.
(3) محمد البهي، المرجع السابق، ص: 526.
(4) مصطفى خالدي وعمر فروخ، التبشير والاستعمار، ص: 36.